تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
ثمّ إنّ فرعون هدّدهم بتهديد غامض ولكنّه شديد ومحكم ، إذ قال : « فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ » . وفي الآية اللاحقة بيّن تفاصيل ذلك التهديد الذي هدّد به السحرة فاقسم بأن يقطع أيديهم وأرجلهم ويصلبهم ، إذ قال : « لَأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مّن خِلفٍ ثُمَّ لَأُصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ » . لقد قاوم السحرة كلتا حربتي فرعون ، وأجابوه جواب رجل واحد : إنّنا نرجع إلى ربّنا إذن « قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ » . يعني إذا تحقق تهديدك الثاني ( وهو القتل ) فمعناه أنّنا سننال الشهادة في سبيل الدفاع عن الحق ، وهذا لا يوجب ضرراً علينا ، ولا ينقصنا شيئاً ، بل يُعدّ سعادة وفخراً عظيماً لنا . ثم إنّهم للرد على تهمة فرعون ، ولايضاح الحقيقة لجماهير المتفرجين على هذا المشهد ، واثبات براءتهم من أي ذنب ، قالوا : إنّ الإشكال الوحيد الذي تورده علينا هو أنّنا آمنا بآيات اللَّه وقد جاءتنا « وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَن ءَامَنَّا بَايَاتِ رَبّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا » . ثم إنّهم أشاحوا بوجوههم عن فرعون وتوجهوا إلى اللَّه سبحانه ، وطلبوا منه الصبر والاستقامة ، لأنّهم كانوا يعلمون أنّهم لا يستطيعون أن يقاوموا تلك العقوبات الثقيلة من دون نصره وتأييده وعونه ، لهذا قالوا : « رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ » . وأخيراً - وكما جاء في الروايات وكتب التاريخ - استقام أولئك الجماعة من السحرة الذين آمنوا بموسى حتى نفّذ فرعون تهديداته ، ومثّل بأجسامهم تمثيلًا مروعاً ، وصلبهم على جذوع النخل على مقربة من نهر النيل . أجل ، إذا كان الإيمان مقروناً بالوعي الكامل فإنّه ينتهي إلى مثل هذا العشق الملتهب الذي لا يكون هذا التفاني في سبيله مثار للعجب . وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ( 127 ) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 128 ) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 129 )
مختصر الامثل — صفحة 157 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي