في هذه الآيات يبيّن لنا القرآن الكريم مشهداً آخر من الحوار الذي دار بين فرعون وبين ملئه حول وضع موسى عليه السلام . تقول الآية في البداية : « وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ » . يستفاد من هذا التعبير أنّ فرعون بعد هزيمته أمام موسى عليه السلام ترك موسى وبني إسرائيل أحراراً مدّة من الزمن ، ولم يترك بنو إسرائيل بدورهم هذه الفرصة من دون أن يشتغلوا بالدعوة والتبليغ لصالح دين موسى عليه السلام وأنّ فرعون كانت له معبودات وأصنام .
إنّ فرعون - بسبب تحذيرات أعوانه وحاشيته - صمم على اتّخاذ موقف متشدد من بني إسرائيل ، فقال لحاشيته في معرض الجواب على تحريضهم وتحذيرهم : سأقتل أبناءهم وأستخدم نساءهم ونحن متفوقون عليهم على كل حال : « قَالَ سَنُقَتّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ » . والآية اللاحقة بيّنت خطّة موسى التي اقترحها على بني إسرائيل لمواجهة تهديدات فرعون ، وشرح فيها شروط الغلبة على العدو ، وذكرهم بأنّهم إذا عملوا بثلاث مبادئ انتصروا على العدو حتماً :
أوّلها : الإتكال على اللَّه فقط « قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ » .
والآخر : أن يثبتوا ولا يخافوا من تهديدات العدو : « وَاصْبِرُوا » .
وللتأكيد على هذا المطلب ، ومن باب ذكر الدليل ، ذكّرهم بأنّ الأرض كلها ملك اللَّه وهو الحاكم عليها والمالك المطلق لها ، فهو يعطيها لمن يشاء « إِنّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ » .
وآخر هذه المباديء هو أن يعتمدوا التقوى لأنّ العاقبة لمن اتّقى « وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » .
هذه المبادئ والشروط الثلاثة ليست شرائط انتصار قوم بني إسرائيل وحدهم على العدو ، بل كل شعب أراد الغلبة على أعدائه لابدّ له من تحقيق هذه البرامج الثلاثة .
وفي آخر آية من الآيات الحاضرة يعكس القرآن الكريم شكايات بني إسرائيل وعتابهم من المشكلات التي ابتلوا بها بعد قيام موسى عليه السلام فيقول : « قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا » . فإذاً متى يحصل الفرج ؟ !
وكأنّ بني إسرائيل مثل كثير منّا كانوا يتوقعون أن تصلح جميع الأمور بقيام موسى عليه السلام في ليلة واحدة . . . .
مختصر الامثل — صفحة 158
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٥٨