فالتفت السحرة في غرور خاص وكبير إلى موسى عليه السلام وقالوا : إمّا أن تشرع فتلقي عصاك ، وإمّا أن نشرع نحن فنلقي عصيّنا ؟ « قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ » .
فقال موسى عليه السلام بمنتهى الثقة والاطمئنان : بل اشرعوا أنتم « قَالَ أَلْقُوا » .
وعندما ألقى السحرة بحبالهم وعصيّهم في وسط الميدان سحروا أعين الناس ، وأوجدوا بأعمالهم وأقاويلهم المهرجة ومبالغاتهم خوفاً في قلوب المتفرجين وأظهروا سحراً كبيراً رهيباً : « فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ » .
« السحر » : تعني في الأساس الخداع والشعوذة ، وقد يطلق أيضاً على كل عامل غامض ، ودافع غير مرئي .
في هذه اللحظة التي اعترت الناس فيها حالة من النشاط والفرح ، وتعالت صيحات الابتهاج من كل صوب ، وعلت وجوه فرعون وملائه ابتسامة الرضى ، ولمع في عيونهم بريق الفرح ، أدرك الوحي الإلهي موسى عليه السلام وأمره بإلقاء العصى ، وفجأة انقلب المشهد وتغير ، وبدت الدهشة على الوجوه ، وتزعزت مفاصل فرعون وأصحابه كما يقول القرآن الكريم :
« وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ » .
« تلقف » : مشتقة من مادة « لَقْف » ( على وزن سَقف ) بمعنى أخذ شئ بقوة وسرعة ، سواء بواسطة الفم ، والأسنان ، أو بواسطة الأيدي ، ولكن تأتي في بعض الموارد بمعنى البلع والإبتلاع أيضاً ، والظاهر أنّها جاءت في الآية الحاضرة بهذا المعنى .
« يأفكون » : مشتقّة من مادة « إفك » على وزن « مسك » وهي تعني في الأصل الانصراف عن الشيء ، وحيث إنّ الكذب يصرف الإنسان من الحق أطلق على الكذب لفظ « الإفك » .
وفي هذا الوقت ظهر الحق ، وبطلت أعمالهم المزّيفة : « فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » . لأنّ عمل موسى كان عملًا واقعياً ، وكانت أعمالهم حفنة من الحيل ومن أعمال الشعبذة ، ولا شك أنّه لا يستطيع أي باطل أن يقاوم الحق دائماً .
وهذه هي أوّل ضربة توجهت إلى أساس السلطان الفرعوني الجبّار .
ثم يقول تعالى في الآية اللاحقة : وبهذه الطريقة ظهرت آثار الهزيمة فيهم ، وصاروا جميعاً أذلاء : « فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ » .
والضربة الأقوى كانت عندما تغير مشهد مواجهة السحرة لموسى عليه السلام تغييراً كلّياً ، وذلك عندما وقع السحرة فجأة على الأرض ساجدين لعظمة اللَّه « وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ » .
مختصر الامثل — صفحة 155
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٥٥