تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
الناس إليكم ، فلمّا بلغت النخلة أخذها المخاض فوضعت عيسى عليه السلام هناك . . وإمّا أن يكون الألف واللام للجنس ، ومعناه : جذع ذلك النوع من الأشجار ، وهو النخل . والتاء تدل على انحصارها ووحدتها في تلك البادية . ولكنّ الاحتمال الأول - كونها للعهد - أقرب للصواب . والجذع هو ما بين العرق والأغصان ، ويعبّر عنه بالساق . وكانت النخلة يابسة نخرة لا رأس لها ولا فروع ولا أوراق
قالَتْ
: مريم عليها السلام عند المخاض :
يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا
الأمر الذي ابتليت به ، وكلامها هذا من طبائع الصالحين وعادتهم ، فإنهم إذا وقعوا في بلية عظيمة أو مصيبة شديدة لا يتحمّلها إلّا أولياء اللّه وأصفياؤه تضيق صدورهم ويتمنّون الموت . وقد قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل : يا ليتني متّ قبل هذا اليوم ، وعلى قبر فاطمة الزهراء عليها السلام تمنّى لو كان مات قبل ذلك . وروي أن بلالا قال : ليت بلالا لم تلده أمّه . وكذا قال سيدنا علي بن الحسين عليه السلام : فيا ليت أمّي لم تلدني ، ومثله قال سيدنا الإمام الشهيد أبو عبد اللّه الحسين عندما وقف على رأس ابنه عليّ الأكبر عليهما السلام عند قتله . فعلى كل حال قالت مريم عليها السلام : يا ليتني متّ
وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
النّسي بكسر النون ، وقرئ بفتحها ، وهو ما يتركه المرتحلون من رذال متاعهم الذي من شأنه أن يترك ويطرح ، وقد عبّر بعضهم عنه بخرقة الطمث . وفي تعبيرها هذا مبالغة عجيبة حيث إنها تمنّت العدم الأزليّ لا العدم بعد الوجود ، فإن قولها : يا ليتني متّ ، ولو كان ظاهرا في الانعدام بعد الوجود ، لكن أعرضت عن هذا الظهور ، أو فسّرت مقصودها من صدر الكلام بذيله المفيد لما ذكرناه . ويؤيّد ما ذكرناه من مرادها عليها السلام أن الإنسان الشريف إذا صدر عنه - ولو بغير اختياره - أمر موجب لاتّهامه وذهاب شرفه ، فإنه يحب ويتمنّى عدمه أزلا ، لأنه بهذا الفرض لا يصدر عنه ذلك العمل الشنيع ولو كانت شناعة نسبيّة بنظر الناس لا بحسب الواقع . والمنسيّ أيضا منسيّ الذّكر بحيث لا يخطر ببال أحد حتى يذكره بسوء أو يلومه ، وهذا أيضا لا تحصل له مرتبته الراقية