تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
أختها وهي الكبرى ، ومريم الصغرى ، لم تقم إليها امرأة زكريّا ، فأذن اللّه ليحيي وهو في بطن أمّه فنخس بيده في بطن أمّه وأزعجها وناداها : يا أمّه ، تدخل إليك سيدة نساء العالمين مشتملة على سيد رجال العالمين فلا تقومين لها ؟ . . فانزعجت وقامت إليها ، وسجد يحيى في بطن أمه كرامة لعيسى بن مريم ( ع ) . فذلك كان أول تصديقه له . . وللرواية تتمة وقد أخذنا منها ما نحتاج إليه . 40 -
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ . .
قال هذا تعجبا واستبعادا عاديا : كيف أرزق صبيّا
وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ، وَامْرَأَتِي عاقِرٌ
فأنا كبير طاعن في السنّ وامرأتي كذلك ، فكيف يكون لنا ولد مع هذين الأمرين ؟ . . وهذا الكلام لا يجتمع مع طلب الولد ظاهرا وخصوصا من مثل زكريّا ، إلّا أن يقال إن زكريّا قال ذلك استفهاما وطلبا للاطمئنان ، لأن مثل هذه الأمور الخارقة للعادة يشكل قبولها بحسب العادة حتى من جانب الأنبياء قبل أن ينكشف لهم وجه الحكمة ، ولو من باب حمل الإخبار بها على الاختبار وحصول البداء بعد ذلك ما في قضية إبراهيم ( ع ) والأمر بذبح الولد . فإذا لم يحصل للإنسان الاطمئنان طبعا في بادئ الأمر ، ويتم له سكون القلب ، لا يختلف هذا المقام ومقام النبوّة ، ولا سيّما إذا كان الإخبار بواسطة غير ذاته تعالى . وأقوى دليل على الدعوى وقوع ذلك حتى مع من هو مثل إبراهيم عليه السلام وهو من أولي العزم من الرّسل . فإذا جعل البداء ذهب الاطمئنان في الابتداء . . هذا مضافا إلى أن يلزم صدور تلك البوادر عنهم بمقتضى الحكمة الإلهية لئلا يقول الناس بإلهيّتهم عليهم السلام كما قالوا ذلك ببعضهم فعلا . ويتجلّى وجه الشبه بين قبول هذه البشرى ، وبين قضيّة إبراهيم ( ع ) أيضا حين قال : ربّ أرني كيف تحيي الموتى ، قال : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ، ولكن ليطمئنّ قلبي . . فالبشرى بيحيى كانت على خلاف العادة في التناسل من مثل زكريّا وزوجه الكبيرين . وإمّا أنه قال ذلك شكرا واعترافا بالنعمة وبإجابة دعائه إذ كانت الإجابة على خلاف العادة الجارية