سبحانه ثانية : أي انتقاك لأمر هامّ ، ثم اختصك بتكليم الملائكة ، وبالنفخة الربانية التي تكوّن منها ولد من غير أب . وبتلك المزايا آثرك اللّه على
نِساءِ الْعالَمِينَ
من أهل زمانك . . ولا تنافي بين كون فاطمة عليها السلام سيدة نساء العالمين وبين ذلك حتى نحتاج إلى تخصيص كل واحدة بسيادة نساء عالمها . فإن سيادة مريم عليها السلام جاءت من الجهات التي اختصت بها من بين سائر النساء بحسب ما ذكرنا من صفاتها وملازمات حياتها ، فسيادتها سيادة حيثية وجهتّية لا مطلقا حتى تتعارض مع سيادة الزهراء عليها السلام العامة الشاملة صلوات اللّه على أبيها وعليها وعلى بعلها وبنيها .
والحاصل أن السيادة هي المجد والشرف ، والاصطفاء أعم منها .
بيان ذلك أنني إذا اخترت فلانا من بين قوم لأمر معيّن ، ليس معناه أنني جعلته أشرف وأعلى مقاما من جميع القوم حتى يقال فلان مقدّم في السيادة والزعامة بمجرّد الاصطفاء . بل معنى ذلك أنني اخترته لأمور خاصة ، ولحكم اقتضت اصطفاءه دون غيره . فلا نحتاج إلى التخصيص كما هو واضح بأدنى تأمّل وتدبّر . . نعم ، إن فاطمة عليها السلام ، سيدة نساء العالمين لشرافتها الذاتية الأصلية والخارجية المعروفة بلا شك ولا شبهة مضافا إلى أن لفظ سيادة لم يرد هنا بمعنى الزعامة المطلقة ، ولم يقل سبحانه وتعالى : مريم سيدة نساء العالمين ، حتى يقال لا بد من التخصيص ، وإلّا لزم تقدّمها . ولا يخفى المقصود على ذوي المعرفة ولا على ذوي الفطنة .
43 -
يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ . .
أي اعبديه وصلي له
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي
وبهذا أمرت بالصلاة بذكر أركانها إذ أمرها بالسجود وبأن تركع
مَعَ الرَّاكِعِينَ
لتحسب في زمرة الراكعين وتعد مع من يركع في صلاته علامة للخشوع للّه والخضوع له ، لا مع من لا يركع في الصلاة طبقا لشرعه أو متعمدا لجهله أو نسيانا ، فإن الصلاة بلا ركوع ناقصة باطلة ولو كان الجهل عن تقصير .