كالصنم وعبدوه
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ
وبعد رؤية المعجزات الظاهرة والدلائل الباهرة التي أقامها موسى بقدرة اللّه ليدل على أنه لا إله إلّا هو تبارك وتعالى . وهل شيء يكون أبين وأظهر دلالة على القادر سبحانه من انشقاق البحر ، وإجراء اثنتي عشر عينا من صخرة صمّاء في قلب الصحراء القاحلة على يدي نبّيه ورسوله لهم ، وما أشبه ذلك من الغرائب والعجائب التي تدل أنها لا تجري إلا بقدرة خالق قادرة . . ومع ذلك يقول سبحانه وتعالى :
فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ
وتسامحنا به لطفا منّا بالعباد مع تمام القدرة على الانتقام ، لأن سعة رحمتنا اقتضت العفو وترك الاستئصال
وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً
أي سلطة ظاهرة عليهم إذ أطاعوه بقتل أنفسهم لمّا أمرهم بذلك للتكفير عن ذنبهم العظيم . وقد قال بعض المفسرين : هي الحجة البيّنة على صدق مدّعاه ، ولا بعد فيه أيضا . ويمكن أن يكون موسى عليه السلام جامعا لكلا الوصفين بل أزيد من الإمكان نقول : إنه ( ع ) كان واجدا للمقامين وأقوى الدليل على الشيء وقوعه .
154 -
وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ . . .
وتابع عزّ اسمه الكلام عن قضايا اليهود التي ظهر فيها عنادهم وتمردهم على ما جاءهم به نبيّهم سلام اللّه عليه ، فقال : ورفعنا جبل الطور فوق رؤوسهم . وهو جبل معروف بصحراء سيناء من أرض فلسطين . ففي بعض روايات العامة أن موسى ( ع ) لمّا جاءهم بالتوراة بعد نزوله من جبل الطور رأوا فيها التكاليف التي فيها شاقة فكبر الأمر عليهم وأبوا قبولها ، فأمر اللّه عزّ وجلّ جبرائيل ( ع ) بقلع الطور ورفعه فوق رؤوسهم يظللهم ويجعله آية تخوّفهم ليقبلوا بما جاء في التوراة ، بعد ردّهم أمر اللّه . . .
والحاصل أنه سبحانه رفع جبل الطور فوقهم
بِمِيثاقِهِمْ
يعني بعهدهم المأخوذ عليهم . والباء سببيّة متعلقة برفعنا ، أي لأجل أن ينظروا الميثاق لقبول الدين الذي شرعه اللّه تعالى لهم ، وليخافوا - عند هذه الآية المخوفة ولا ينقضوا العهد
وَقُلْنا لَهُمُ
أي بلّغناهم على لسان موسى والجبل مطلّ عليهم ، مشرف فوق رؤوسهم يرعبهم منظره :
ادْخُلُوا