تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
كل ذلك - ولذا نفى العدل وأكد بلفظة : لن ، التي تفيد التأييد وشبه الاستحالة الواقعية من غير أن يستثني أحدا حتى الأنبياء الكرام والرّسل العظام . فلن يقدر رجل على الميل لزوجاته المتعددات بالتساوي ، كما أنه لا يمكن أن يحصل على ميلهنّ كلهن اليه بالتساوي والنسبة الواحدة ، ولا يحصل على رضاهن كما أنه لا يستطيع إرضاءهن بقسمة الليالي مهما تكلّف من التصنع . . . فأنتم - أيها الرجال - مكلّفون بالعدل بمقدار استطاعتكم للعدل الذي تملكون أمره ، بالحرص على العدل ممّا أنتم مجبولون عليه من عاطفة الحب والكره ، أي الميل القلبي . نعم
فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ
أي لا تعرضوا تمام الإعراض عن واحدة منهن ، ولا تقبلوا كل الإقبال على أخرى ، بحيث تنعدم استطاعتكم في محاولة العدل بين نسائكم ، وبحيث تقع جفوة للمرغوب عنها . واللّه تعالى لا يرضى بذلك لأنه ظلم وهو سبحانه لا يحب الظالمين ، فاعلموا أن ما لا يدرك بتمام مراتبه ، لا يترك بتمامه ، أي ما لا يدرك جلّه لا يترك كله . وإنكم إذا ملتم عن واحدة وصرفتم وجهكم عنها ، تكونون قد جفوتموها
فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ
أي أنها ذات بعل وكأنها ليست بذات بعل ، أو أنها لا بعل لها ولكنها ليست أيّما . وهذه الحالة هي أعظم عليها من ميلكم نفسه ومن طلاقها . فحاذروا ذلك قدر المستطاع إذ روي أن عليا أمير المؤمنين عليه السلام كان له امرأتان ، فكان ( ع ) إذا كان يوم واحدة لا يتوضأ في بيت الأخرى
وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا
تصلحوا أنفسكم بعدم ميلكم التام ، فتطبّعون أنفسكم على مقاومة هواجس النفس ووساوس الشيطان ، وتتجنّبون الميل الكلّي امتثالا لأمر اللّه تعالى بحفظ الجميع ، وبإعطائهن جميع حقوقهن حتى في المبيت عند كل واحدة بنوبتها ، فتكونون قد فعلتم ما هو مشرّع بمقدار قدرتكم وبحسب تمكّنهم ، لتحصلوا على رضاهن إلى حدّ يقع من جرّائه العطف والرحمة فيما بينكم بعون اللّه جلّ وعلا . فهذه المحاولة تبلغكم درجة من الإصلاح والتقوى اللّذين مدحهما اللّه
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
يعفو عن التقصير السالف غير المتعمّد في حقهن ، ويرحم محاول العدل يوم لا راحم غيره .