تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
يعطيه سبحانه بغير سؤال مما يكشف عن رحمته وعظمته وكمال جوده . فضلا عن بسط يده بالإنعام على العباد ، الذي ينحصر بعلوّ وسموّ ذاته المقدسة جلّت قدرته وجلّ كرمه . وخيرا : نصب بناء على كونه مفعولا ثانيا ليحسبنّ ، والمفعول الأول هو البخل المدلول عليه بجملة يبخلون . وتقدير الكلام : ولا يحسبنّ الّذين يبخلون البخل خيرا . والذين : فاعل بناء على القراءة بالياء كما لا يخفى . . أما بناء على القراءة بالتاء - قراءة حمزة - فالفاعل هو الذي خوطب بالكلام ، وهو النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، والذين : مفعول أول لتحسبنّ في مقام الظاهر ، لكن الواقع أن الكلام - في هذه الحالة - مبنيّ على حذف وتقدير ، والمعنى : ولا تحسبنّ يا محمد بخل الذين يبخلون خيرا لهم
بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ
لما في بخلهم من خسّة الطبع ورذيلة الشّح وسوء الظن باللّه ، والحرمان من الثواب وخسران فضيلة الطاعة وحسن السماحة يبذل ما يعين على إقامة المجتمع الصالح الذي يوصل إلى كل ذي حقّ حقه . وأي عمل أسوأ ، وأي خصلة أدنى وأرذل وأخس من صفة البخل بمال اللّه الذي يهبه سبحانه لعباده بغير حساب ؟ . . لكنّ الذين يبخلون بذلك
سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
سيجعل اللّه ما بخلوا به طوقا من نار يلتفّ حول أعناقهم يوم القيامة كما نصت الرواية التي مرت آنفا . ولا يخفى على أهل الدّرية والأدب أن كلمة : بما ، في : بما آتاهم ، تحمل معنى التبعيض ، يعني أن هؤلاء السفهاء يبخلون ببعض ما آتاهم اللّه ، وهو قدر الصدقة الواجبة . فهذا هو متعلق بخلهم في المال الذي فيه حق . فتصوّر خسّة الإنسان الذي لا ينفق هذا المقدار البسيط من فضل اللّه الكثير . فاللّه تعالى لم يطلب منّا إنفاق كامل المال ، ولا سمّانا بخلاء لأننا لم ننفقه كلّه ، بل قصد ذلك الجزء القليل الذي فرضه سبحانه لتزكية المال وتطهيره . ولو كان الأمر غير ذلك لما قال سبحانه :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
. فإنه جلّ وعلا عاتب نبيّه ( ص ) كما في التفسير ، بهذه الآية