القرآن الذي محا ما عندهم من بليغ الفصاحة ، وغلب ما كان لهم من سحر البلاغة فوقفوا مشدوهين أمام هذا الإعجاز الذي تذعن له العقول وتحار منه الألباب ، وظهرت دواوينهم ومعلّقاتهم السبع وغيرها كأن لم تكن شيئا أمام سحر القرآن وعظمته ، ورأوا أنفسهم عاجزين عن الإتيان بسورة من مثله ، حتى أنه قيل : لما نزلت الآية الكريمة :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
، سمعتها أخت امرئ القيس فمضت مسرعة إلى بيت اللّه الحرام وأنزلت المعلّقات التي علّقها أخوها على الكعبة فخرا على العرب ببلاغته وفصاحته ثم قالت : لا كلام ولا بيان أفصح وأبلغ من القرآن الكريم أبدا . وهكذا فإن القرآن معجزة باقية إلى انقراض العالم وفيه - مع ذلك - تبيان كلّ شيء .
نعم ، في كل عصر أرسل اللّه تعالى نبيّا ممّن اجتبى ، وأنزل عليه رسالته بعد بلوغه وظهور نبوغه وكمال رشده ، وحمّله رسالة شرع للناس فيها دينا يضمن تكاملهم ويصلح مجتمعهم ، وأعطاه المعجزات وخوارق العادات ليبرهن على صدق رسالته وليدفع الباطل بقوة دعوته وصدقها ، وليؤمن به المكابرون ويرضخ له الجاحدون . . فهو سبحانه يختار من رسله الموجودين في علمه واحدا بعد آخر كما شاء ورتّب ليصلح شأن عباده في دار الدنيا ، وليفوزوا بثوابه الجزيل ونعيمه الدائم في دار الآخرة .
ويحتمل - ضعيفا - أن يؤوّل الاجتباء على العباد الذين تكون لهم الأهلية للاختيار لحمل الرسالة ويكون الكلام حينئذ من باب المجاز ، فيجتبي من الموجودين في العصر من يشرّفه بذلك ويبعثه إلى الناس بالرسالة والكتاب والمعجزات والخوارق الأخر التي تؤيد رسالته ، كالتخلّق بالخلق العظيم ، وكالإعراض عن الدنيا ، وإنفاق ماله في سبيل ربّه ، وإظهار الحق الذي جاء به . .
وعلى كل حال ، ما كان اللّه ليطلع على غيبه وما جرت به قدرته إلّا