تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
والمنافق في الظاهر ، لا يفعل ذلك سبحانه
حَتَّى
تصدر أوامره ونواهيه ، بلطفه وحكمته ، ونشر شريعته بمختلف سياساتها من أجل سعادة البشر ، وإكمال الدين وإتمام النعمة ، وإقامة النظام الصالح للمجتمع ف
يَمِيزَ الْخَبِيثَ
الذي يظهر بالتمرّد والجموح في الغي
مِنَ الطَّيِّبِ
الدائب على طاعة اللّه واتّباع الحق ومخالفة الهوى والنفس . . فهذا هو طريق التمييز بين المسلم المؤمن وبين المتظاهر بالإسلام مع إبطان النفاق . كما أنه سبحانه كان يمكن أن يبيّن لرسوله بالإخبار عن أحوال المنافقين كما جرى ذلك مرارا ، ولكن كشف حالهم يتم جهرا بوضع التكاليف الشاقة الصعبة كبذل النفس والمال ، ليظهر ما يضمرون
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
أي على ما جرت عليه عادة اللّه تعالى وسنّته في خلقه بمقتضى حكمته البالغة . فما كان ليظهر على غيبه أحدا منكم فتعلمون ما في القلوب وتكتشفون إيمان هذا أو نفاق ذاك ، لأن ذلك المقام مقام رفيع خص به ذاته المقدسة ومن له الأهلية لذلك ، حيث قال سبحانه :
إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
، وما أنتم له بأهل إذ قد يخلّ ذلك بجامعتكم الإسلامية ويحدث الفساد في شؤون الإسلام والمسلمين . نعم ، هذا يليق بمقام الرسالة - واللّه أعلم حيث يجعل رسالته - ولذلك قال في تمام الآية :
اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ
أي أنه يختار لهذا المقام السامي من أراد ومن كانت له الأهلية ، وعلى حسب المصلحة الكاملة والحكمة التامة . ولا يخفى أن المتبادر إلى الذهن من هذه الكلمة : - من رسله - أن للّه رسلا موجودين مجهّزين قد اجتباهم للرسالة ، يختار منهم لكل زمان من يوافقه ويناسبه ، وقد اختار موسى عليه السلام في زمن السحر والشعبذة وأعطاه العصا التي كانت تلقف ما يأفكون وتبطل ما يقومون به من سحر عظيم ، ثم اختار عيسى عليه السلام لزمن الطب والنبوغ فيه وجعله يشفي الأبرص والأكمه ويحيي الموتى بإذنه ، ويقوم بما يعجز عنه أطبّاء عصره . ثم كان دور الفصاحة والبيان والإعجاز فاختار له خاتم الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله ، وأنزل عليه