تحضروا القتال فتعالوا للمدافعة عن أنفسكم وأموالكم وحريمكم . وقد يكون معنى الدفع هنا التكثير ، يعني لتكثير سواد المسلمين ، إذ أن تكثير عدد المجاهدين له فعل كالقتال ، بل هو كالقتال
قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ
فكان جواب المنافقين أنهم لو كانوا يعلمون قتالا بالمعنى الصحيح لا تّبعوا المسلمين وشاركوهم فيه ، ولكنهم يعتقدون أنه إلقاء بأيديهم إلى التهلكة ذاك أنهم
هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ
وهم عبد اللّه بن أبي سلول وأتباعه كما قلنا ، فإنهم حين قالوا هذه المقالة ظهروا أنهم أقرب للكفر من الإيمان بعد أن كانوا في ظاهر حالهم مسلمين ومع المسلمين . واللام في لفظة : للكفر ، هي هنا بمعنى : إلى ، كقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا
، أي إلى هذا ، فهؤلاء قد ظهروا بعد مقالتهم منافقين رسما لأنهم خالفوا أمر النبي ( ص ) إذ يستشم من قولهم الاستهزاء بالزحف والاستهتار بما مضى إليه المسلمون ، فانخذالهم عن القتال إمارة تؤذن بالكفر . وقد عبّر اللّه سبحانه هكذا مماشاة لهم في التعبير عما ظهر من حالهم لأنهم كانوا
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
إذ يظهرون الإيمان ويسرّون الكفر . وهذا شاهد على ما قلناه من أنه تعالى جاء بتعبير يماشي فيه الخصم ليكشف عن حقيقة أمره ، فهم الآن قد ظهروا كافرين . وقد احتيج إلى ذكر الأفواه لفائدة تأكيد نفي تواثق قلوبهم وألسنتهم
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ
يعرف ما ستروا من نفاقهم ، وعدم تطابق سرّهم وجهرهم .
وفي مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام في كلام له : ومن ضعف يقينه تعلّق بالأسباب ، ورخّص لنفسه بذلك ، واتّبع العادات وأقاويل الناس بغير حقيقة . .
والساعي في أمور الدنيا وجمعها وإمساكها يقر باللسان أنه لا مانع ولا معطي إلا اللّه ، وإن العبد لا يصيب إلّا ما رزق وقسم له ، والجهد لا يزيد في الرزق ، وينكر ذلك في قلبه . قال اللّه تعالى :
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ . .
إلى قوله :
يَكْتُمُونَ . .
والآية هذه وإن كانت خاصة في سبب نزولها ، إلا أنها في معناها عامة بلا ريب .