الخالصون هم حزب اللّه ، واللّه تعالى يقول : ألا إن حزب اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون : فلا هم يحزنون من كثرة جنود العدوّ في الجهاد ، ولا يفرحون بقلّتهم . والحاصل أن القوم قالوا
لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
أي أن الذين شربوا قالوا حين رأوا جند جالوت الكثير : لا قدرة لنا على صدّ جالوت وجيشه ، ولسنا بقادرين على مواجهة هذا الجبار مع العماليق « 1 » ، ولا نتمكن من محاربتهم وقتالهم .
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ
أي يتيقّنون ويعتقدون
أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ
وهم المؤمنون المخلصون الذي يصدقون بلقاء ثواب اللّه وأجره على جهاد أعدائه ، قالوا :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
أي فرقة وجماعة قليلة
غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
انتصرت على فرقة أكبر منها بأمر اللّه ونصره . ولفظة كم خبرية .
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
ينزل النصر عليهم ويؤيدهم به .
250 -
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ
. . . أي حين وقفوا موقف الحرب وجها لوجه ، ورأوا كثرتهم وشدّتهم ، لم يعتمدوا على قوّتهم وثباتهم مهما بلغوا من الطاعة والتفاني في سبيله تعالى ، لأنهم قليلون ، ولذا
قالُوا
في مقام التجائهم إلى اللّه سبحانه داعين بالتأييد منه والتسديد والنّصرة لإظهار دين الحق
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
الإفراغ لغة هو الصّب . وقد شبّهوا الصبر بالماء الذي يصب فيعمّ سائر أبدانهم ، فطلبوا الصبر من اللّه تعالى يصبّه عليهم صبا ليكون كافيا وافيا ، ودعوه قائلين
وَثَبِّتْ أَقْدامَنا
في مواقع الحرب والنزال
وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
واجعلنا نظفر بهم وأنزل علينا ملائكة النصر حتى ندمّر الكافرين تدميرا .
251 -
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ
. . . أي غلبوهم وانتصروا عليهم .
والمأثور أن هزيمة الكفار حصلت بعد أن قتل داود جالوت ولكنه سبحانه أخّر ذكر القتل ليجري ما ذكر لداود من الفضائل على نسق واحد ، لأن
هامش
( 1 ) العمالقة من ولد عمليق بن عاد . وكان عاد وقومه هم الذين بعث اللّه إليهم هودا يدعوهم إلى الإسلام ودين الحق وخلع الأنداد ، فأبوا قوله . وتفصيل قصتهم تأتي معنا إن شاء اللّه تعالى .