ذلك أبلغ في تمجيده ، وأظهر بيانا لعظمة النعمة عليه :
وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ
الجبّار بالحصيات والمقلاع الذي كان معه
وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
المهيب الباذخ الذي لم يكن في الأرض المقدسة لأحد قبل داود
وَالْحِكْمَةَ
أي النبوّة وعلّمه مما يشاء كفصل القضاء ، وعمل الدروع السابقات أي الواسعة - ولين الحديد ، والسّرد ، والزّبور السماويّ ، والصوت الجميل والألحان المعجبة التي كانت تردّد صداها الجبال والوديان ، بحيث لو قرأ الزّبور لاجتمعت عليه الطيور تسبّح اللّه وتمجّده ، ونحو ذلك من خصائصه عليه السلام . .
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
أي ضرب المنافقين والمفسدين ، ودفعهم بالمؤمنين ، ودفع الأشرار والكافرين بنصر المسلمين عليهم - وبعضهم : بدل من الناس . فلو لا لطف اللّه في ذلك
لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
بغلبة المفسدين والكفرة ، ولانمحقت الأديان من أصلها ، ولعمّ الكفر والزندقة . ولكنه تعالى خلق الناس مختارين في أفعالهم ، وأحرارا في أن يتمتّعوا في الأرض ، ولذا خرج المؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن ، والصالح من الفاجر وبالعكس ، وعلم سبحانه أن سيكون فيها منافقون ومفسدون ، ولكنه ما كان ليخلّي السبيل لأمثالهم لئلا يملأوا الأرض فسادا وظلما ، ويصير دين اللّه هباء ، ثم علم أن المفسدين يرون أن إهلاك قوم بقوم هو من سنن الحياة ، فلا يرتدعون ولا يرجعون عن غيّهم وضلالهم ، ولذا شرع اللّه تعالى باب جهاد الكافرين والمنافقين ، وأوجب على المؤمنين قتالهم ليزيد في أجر المؤمنين ويرفع درجاتهم ، وليقطع دابر الكافرين كلّما استفحل أمرهم بين عباده ، فيكون ذلك بنصر منه تعالى للردع النوعيّ في الغالب ، ولإيقاف طغيان المفسدين والكافرين . وهذا من أهمّ أحكام الجهاد ومصالحه . .
فلو لا دفع اللّه الكافرين بالمؤمنين ، لعمّ الأرض الفساد ، ولهلك العباد
وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ
ذو نعمة على الناس بأن يوقف في طريق الفساد ما يمنع الفساد . فأية نعمة هي أعظم من فرض الجهاد للقضاء على الفساد في الأرض يا أولى الألباب ؟ . . .