وأما العقل - ثالثا - فإن كل عقل سليم يحكم بأن كل ما يغطي العقل والشعور ويذهبهما ويسلب الإنسان منهما ويدخله في عداد البهائم ولو موقّتا فهو حرام عليه ، لأنه من أشرف مخلوقات اللّه عزّ وعلا . هذا بالنسبة إلى السّكر والخمر . أما القمار وكافة أنواع الميسر فإنها تجرّ كثيرا إلى خسائر وأرباح غير مشروعة ، وتؤدي إلى خصومات ، وتجرّ إلى منازعات وقتال وارتكاب جرائم . وكلّ ما حكم به العقل السليم حكم به الشرع .
أما الدليل الرابع وهو الإجماع فقد أجمعت الأمة الإسلامية بكافة فرقها على تحريمهما ، كما أن الأديان السماوية السابقة فعلت ذلك ولم يرد فيها تحليل لكثير ولا لقليل ، حتى أن ما يشاع ويذاع عن أن النصارى يقولون : قليل من الخمر يفرّح قلب الإنسان ، هو لغو وباطل ولم ينطق به إنجيل من الأناجيل الأربعة . . والإجماع على الجهة لا شبهة في منقوله إن لم نقل في محصّله أيضا من صدر الإسلام إلى الآن .
فيا محمد
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ
أي وزر عظيم لأنهما مفتاح الشرّ ، ومنشأ المفاسد . . ففيهما إثم
وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
دنيويّة : ككسب المال وتحصيل الطّرب والالتذاذ والتقوية وغيرها مما يتصوّر أنها منافع
وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
لأنهما من الكبائر التي توجب النّار . بيان ذلك
قول الصادق عليه السلام : الخمر رأس كلّ إثم ، ومفتاح كلّ شر .
و
قوله أيضا : إن اللّه جعل للشر أقفالا ، وجعل مفاتيحها الشراب .
فلا يأمن من يشرب أن يثب على أمّه أو أخته إلخ . .
وقوله ( ع ) : ما عصي اللّه بشيء أشدّ من الشراب .
فهذه المضارّ والمفاسد الدنيويّة يعقبها عذاب أخروي دائم . ومنافعها الدنيوية المتوهّمة زائلة ، وعظم الإثم وكونها من الكبائر المؤدية إلى سخط اللّه وعذابه الدائم واضح . فأين الزائل من الدائم ، وأين اللذة الفانية العابرة من اللذة الأبدية السرمدية ؟ .
وقد روي أن تحريم الخمر قد نزل في أربع آيات ، كانت كلّ لاحقة منها أشدّ وأغلظ من سابقتها .
والآية التي نحن بصدد شرحها هي الأولى منها . .