تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
ورفعة درجاتهم وذكر الخاصّ بعد العامّ كثير في القرآن الكريم كما قلنا في ما سبق قال سبحانه وتعالى : 218 -
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
. . . نزلت في قصة عبد اللّه بن جحش وأصحابه التي مرّت قريبا ، فقد قال قوم : إنهم وإن سلموا من إثم القتل والأسر ، ليس لهم أجر ولا ثواب بما صدر عنهم . فقال تعالى : ليس الأمر كما تظنّون ، بل الذين آمنوا ، وصدّقوا اللّه ورسوله بعد ما عرفوهما حقّ معرفتهما
وَالَّذِينَ هاجَرُوا
وتركوا أوطانهم وعشائرهم وأقاربهم ، بل خلّفوا عوائلهم وأهاليهم وبيوتهم ومن كان يلوذ بهم ، وتركوا أموالهم وتركاتهم وكلّ ما كان عندهم
وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وقاتلوا في إحياء دين اللّه الذين هم عليه ، وهو سبيله تعالى المشروعة لعباده ويستفاد من الجمع بينها أن استحقاق الثواب يترتّب عليها جميعها لا على واحد منها منفردا إن المؤمنين ، والمهاجرين ، والمجاهدين
أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ
أي يأملونها . والتعبير بالرجاء للتنبيه على أن العبد لا بدّ وأن يكون في جميع أحواله وأعماله بين الخوف والرجاء ، لا يغترّ بأعماله العباديّة ولا ييأس من رحمة اللّه ولا صدرت منه كبيرة لغلبة نفسه الأمّارة بالسوء نستعيذ باللّه من شرها . . ولعلّه سبحانه أراد إيجاب الرجاء والطمع على المؤمنين لأن رجاء رحمة اللّه من أركان الدين ، كما أن اليأس من رحمته كفر . وقد قال تعالى :
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
. والأمن من عذابه أيضا خسران . فقد قال سبحانه :
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
. فمن الواجب على المؤمن أن يرجو رحمة ربّه ، وأن لا يأمن عقوبته ، وأن يدعو ربّه خوفا ، وطمعا . فاليأس من أكبر الكبائر لأنه ينتج عن سوء ظنّ به جلّ وعلا . . وقوله تعالى : يرجون ، وإن كان في الظاهر جملة خبريّة ، إلّا أنّها في مقام الأمر . وقد أتى بها لأنها آكد في المراد على ما بيّن في محلّه ، ولذا قلنا : أراد اللّه سبحانه إيجاب الرجاء والأمل
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
ويحتمل أن تكون هذه الجملة في مقام ردّ سوء ظنّ بعض الكفرة الذين قالوا في ابن جحش وأصحابه : ليس لهم أجر ولا ثواب ، فقال سبحانه :