الإنسان ما دام سبب الخوف باقيا إلى أن يعلم بارتفاعه فيرتاح القلب وتذهب الوحشة . وقوله : من موص يتعلّق بمحذوف ومحلّه النّصب على الحال من جنف ، والتقدير : فمن خاف جنفا كائنا من موص . وذو الحال قوله جنفا .
فحاصل المعنى : لمّا تقدّم الوعيد منه سبحانه لمن بدّل الوصية ، بيّن في هذه الآية أن ذلك يلزم لمن غيّر حقّا بباطل ، فأمّا من غيّر باطلا بحق فهو محسن ولا بأس عليه . وهل الخوف من الجنف ما إذا أوصى حال مرضه الذي يوشك أن يموت فيه أو الأعمّ ؟ . . قيل بالأوّل . ومعنى الوصية جنفا هو أن يعطي بعضا ويضمر لبعض . فلا إثم على الوصيّ أن يشير عليه بالحق ويردّه إلى الصواب ويصلح بعمله بين الموصي والورثة والموصى له إذا كان من غير الورثة أو منهم في حال كون الوصية جنفا بحقه . وعمل الوصي هذا ، هو الذي أراد سبحانه بقوله
فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
أي في التغيير والتصرف في الوصية ، لأنه من تبديل الظلم وردّه إلى العدل كما أشرنا سابقا فإن ذلك من باب إزالة المفسدة ، وقوله تعالى : فأصلحوا بين أخويكم بالعدل ، مصداق لذلك . والمشهور بين المفسّرين هو أعمّ من أن يكون خوف الجنف حال مرض الموصي أو غيره
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
غفور للمذنب ، رحيم به ، فكيف لمصلح مستحقّ للأجر والثواب العظيم ؟
وفي القمّي عن الصادق عليه السلام : إذا أوصى الرجل بوصية ، فلا يحلّ للوصيّ أن يغيّر وصيته بل يمضيها على ما أوصى ، إلا أن يوصي بغير ما أمر اللّه فيعصي في الوصية ويظلم
، فالموصى إليه جائز له أن يردّها إلى الحق . مثل رجل يكون له ورثة فيجعل المال كلّه لبعض ورثته ويحرم بعضهم ، فالوصيّ جائز له أن يردّها إلى الحق ، وهو قوله تعالى : جنفا أو إثما . فالجنف الميل إلى بعض ورثتك دون بعض ، والإثم أن تأمر بعمارة بيوت النيران واتّخاذ المسكر ، فيحلّ للوصيّ أن لا يعمل بشيء من ذلك .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 183 إلى 187 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ