الأمم السالفة كما هو الشأن في بقية أحكامنا التي لا تقتضي التشبيه بما كانت عليه أحكام غيرنا . . . والجواب أن الصوم لمّا كان أمرا شديدا شاقّا لا تتحمّله النفوس بسهولة ولا تتفهّمه العقول بيسر ، أراد اللّه تعالى من المؤمنين أن يعرفوا أنّ فرض الصوم ليس أمرا مبتدعا على المسلمين ، بل كان كذلك عي الأمم السابقة ، فيسهل على المؤمنين الأمر
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
أي لعلكم تتجنّبون به المعاصي ، فإنه يقمع الشهوة .
وقد قال عليه السلام في رواية : من لم يستطع مقاومة الباه فليصم فإن الصوم له ( أي قاطع له ) .
و
قال صلّى اللّه عليه وآله : خصاء أمّتي الصوم .
هذا ، مضافا إلى أن الصوم شعار الزهد والتقوى في كل زمان . ويكفي في عظمته أن اللّه تعالى قال : . . . أنا أجزي به ( أي أثيب عليه ) وما سمع منه سبحانه هذا الكلام في عبادة حتى في الصلاة التي هي عمود الدين ! ! .
184 -
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
. . . موقّتات بعدد معلوم ، أو قلائل كقوله تعالى :
دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ
، والأصل أن المال يقدّر بالعدد ، وكذلك الأيام القليلة تحدّد وتحصر . والكثير يحثى حثيا ، والحثي ما غرف باليد من التراب والأرزّ ونحوه ، كناية عن الكثرة أي ما ليس له ضبط وحدّ معلوم لكثرته . ونصب أياما بالفعل المقدّر ، يدل على ذلك قوله :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
، أي صوموا أياما .
وفي الطبري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل أنه قال : لمّا ورد النبيّ المدينة فصام عاشوراء ومن كل شهر ثلاثة أيام . . واليهود يصومون يوم غرق فيه فرعون تبرّكا .
لكن عبده يقول : يصوم اليهود يوم تخريب أورشليم أسبوعا ذكرى له . أما النصارى فأشهر أيام صيامهم الذي بقي لهم من قديم الأيام ، وهو قبل عيد المسيح ( ع ) . ويقولون إن موسى بن عمران صام في هذا اليوم وكذا المسيح والحواريون كان ديدنهم على صوم ذلك اليوم ، وبعد ذلك الرؤساء والأحبار عيّنوا أياما أخر كلّ على كيفه ولذا تراهم مختلفين في صومهم ، فإن بعضا عيّن شهر رمضان فلمّا رأى وقوعه في حرّ شديد حوّله إلى الربيع وزاد