تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
مسعودا اشترى مني بضاعة وأقمشة بستين ألف دينار دون أن يدفع ثمنها . أريد أن ترسلني أنا والأمير مسعودا إلى القاضي » . رقّ قلب السلطان محمود لكلام التاجر ، وبعث رسالة شديدة إلى مسعود أمره فيها : « أريد أن تقضي له حقه الآن ، وإلا تعال لتمثل معه أمام القضاء ، لتطبّق عليكما أحكام الشّريعة » . ومضى التاجر إلى مجلس القاضي ، في حين قصد الرّسول مسعودا وأدى الرسالة . أسقط بيد مسعود ، فقال للموكل بالخزانة : « انظر ما في الخزانة من الذهب نقدا » . فذهب ونظر وعاد ، فقال : « ليس ثمة أكثر من عشرين ألف دينار » . قال مسعود : « خذها ، وامض بها إلى التاجر ، واستمهله ثلاثة أيام لباقي المبلغ » . ثم قال لرسول السلطان : « قل للسلطان إنني دفعت إلى الرجل عشرين ألف دينار في الحال ، وسأعطيه حقه كاملا بعد ثلاثة أيام . وإنني لأقف الآن مرتديا قبائي ، منتعلا موزجي في انتظار ما يأمر به السلطان » . فذهب الرّسول ، لكنه عاد إلى مسعود مرّة أخرى ، وقال : « يقول السلطان : إما أن تتوجه إلى مجلس القضاء ، وإما أن تدفع مال التاجر إليه . واعلم أنك لن ترى لي وجها ما لم تؤد حق الرجل إليه كاملا » . ولم يجرؤ مسعود على أن يضيف إلى كلامه السابق حرفا ، وأرسل رسلا إلى مختلف النواحي يطلب قرضا . فما إن أزف وقت صلاة العصر ، حتى وصلت إلى التاجر الستون الألف دينار . ولما تناهى هذا الخبر إلى أطراف العالم ، جعل التجار ينهالون على غزنين من الصين ، و « خطا » « 1 » ومصر ، وعدن ، يحملون إليها ما في العالم من تحف ونفائس . أما ملوك هذا الزمان ، فلو أمر أحدهم أدنى فرّاش أو « ركابدار » بأن : « أمثل في مجلس القضاء مع عميد بلخ ورئيس مرو » لما صدع لأمره ، أو أعاره أدنى اهتمام ! .

( جواب عمر بن عبد العزيز لعامل حمص )

كتب عامل حمص إلى عمر بن عبد العزيز : « لقد انهار سور حمص ، ورمّه واجب ، فبم تأمر ! » . فكتب إليه عمر : « سوّر حمص بالعدل ، وطهّر طرقاتها من الخوف والظلم ، ولا حاجة بعد ، إلى الطين واللبن والحجر والجص « 2 » » . * * *
هامش
( 1 ) خطأ أو « ختا » : اسم القسم الشمالي من الصين الذي كانت تقطنه قبائل الأتراك ( فرهنگ فارسي ) . ( 2 ) ورد في جمهرة رسائل العرب ( 2 : 351 ) نقلا عن كتاب « سيرة عمر بن عبد العزيز » ( ص 90 ) لابن الجوزي ما يلي : كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه : « أما بعد ، فإن مدينتنا قد خربت ، فإن ير أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نرمّها به فعل » . فكتب إليه عمر : « أما بعد ، فقد فهمت كتابك ، وما ذكرت من أن مدينتكم قد خربت ، فإذا قرأت كتابي هذا ، فحصّنها بالعدل ، ونقّ طرقاتها من الظلم ، فإنه مرمتها » .