الفصل التاسع والأربعون في إجابة المتظلمين وقضاء مطالبهم وإنصافهم
يغصّ القصر دائما بالمتظلمين الذين لا يغادرونه قبل أن يتسلموا أجوبة شكاياتهم . إن هذا قد يبعث كل رسول أو غريب يفد إليه على الظن حين يسمع صراخ المتجمعين وجلبتهم ، بأن ظلما عظيما ينزل بالناس . لكي يوصد الباب دون هذا الظن ، يجب أن تجتمع شكاوى أهل كل مدينة وناحية من الحاضرين على حدة ، وتوضع في مكان واحد . ثم يأتي خمسة منهم إلى القصر لبيان أمرهم وعرض أحوالهم ، ويتلقون الجواب ويتسلمون الحكم ، ويعودون حالا . وهذه هي السبيل للقضاء على الجلبة والضوضاء والصراخ التي لا أساس لها .
كتاب يزدجرد إلى عمر وجوابه عنه
يروى أن الملك يزدجرد أرسل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - رسولا يقول : « ليس في العالم اليوم مملكة أكثر سكانا من مملكتنا ، وخزانة أعمر من خزائننا ، وجيش أكثر من جيشنا ؛ وليس لأحد ما لنا من آلة وعدة » .
فأجابه عمر : « أجل ، إن مملكتك مكتظة لكن بالمتظلمين ؛ وإن خزانتك مترعة لكن بالمال الحرام ؛ وإن جيشك كثير لكنه شاقّ عصا الطاعة . وإذا ما دالت الدولة فإنّ الآلة والعدة لا يغنيان فتيلا . إن في هذا كله لدليلا على انحطاط دولتكم وقرب زوال ملككم » . وهكذا كان .
* * * إن الطريقة الأمثل ، أن يبدأ سيد العالم - خلّد اللّه ملكه - بالانتصاف من نفسه ، ليصير الجميع منصفين ، ويقطعوا دابر الطمع مما هو محال وغير حق ، مثلما فعل السلطان محمود .
رسالة السلطان محمود الشديدة
يقال : إن تاجرا أتى بلاط السلطان محمود ، وتظلم إليه من ابنه مسعود في حسرة وتوجّع ، وقال :
« أنا امرؤ تاجر ، مضت عليّ مدّة هنا . أرغب في العودة إلى مدينتي لكنني لا أستطيع ، لأن الأمير