تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
ليجازوا بما عملوه في الدنيا من خير وشر ، فيكون المراد بقوله :
لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ
ليروا جزاء أعمالهم وهو الجنة والنار ، ولهذا قال :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
أي فمن يعمل في الدنيا وزن نملة صغيرة أو هباء لا يرى إلا في ضوء الشمس ، والمراد أي عمل مهما كان صغيرا ، فإنه يجده يوم القيامة في كتابه ، ويلقى جزاءه ، فيفرح به ، أو يراه بعينه معروضا عليه . وكذلك من يعمل في الدنيا أي شيء من الشر ولو كان حقيرا أو قليلا ، يجد جزاءه يوم القيامة ، فيسوؤه . والذرّ كما تقدم : ما يرى في شعاع الشمس من الهباء ، أو هو النملة الصغيرة . ونظير الآية قوله تعالى :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ، أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
[ الأنبياء 21 / 47 ] وقوله سبحانه :
وَوُضِعَ الْكِتابُ ، فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ، وَيَقُولُونَ : يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ، وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
[ الكهف 18 / 49 ] . و في صحيح البخاري عن عدي مرفوعا : « اتقوا النار ولو بشقّ تمرة ، ولو بكلمة طيبة » و في الصحيح له أيضا : « لا تحقرنّ من المعروف شيئا ، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ، ولو أن تلقى أخاك ، ووجهك إليه منبسط » و في الصحيح أيضا : « يا معشر نساء المؤمنات لا تحقرنّ جارة لجارتها ، ولو فرسن شاة » يعني ظلفها . وفي الحديث الآخر الذي أخرجه أحمد والبخاري في التاريخ والنسائي عن حوّاء بنت السكن : « ردّوا السائل ، ولو بظلف محرق » . و أخرج الإمام أحمد عن عائشة أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال : « يا عائشة استتري من النار ، ولو بشق تمرة ، فإنها تسدّ من الجائع مسدّها من الشبعان » . و أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال : « كان أبو بكر يأكل مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فنزلت هذه الآية :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 362 | وهبة الزحيلي