تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
إعادته ، لكونه عائدا مرة بعد أخرى ، ولأنه ينشأ من تبخر بحار الأرض ثم يعود إلى الأرض . أخرج الترمذي والدارمي عن علي كرم اللَّه وجهه قال : سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول : « إنها ستكون فتنة ، قلت : فما المخرج منها يا رسول اللَّه ؟ قال : كتاب اللَّه تبارك وتعالى ، فيه نبأ من قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبّار قصمه اللَّه ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللَّه . وهو حبل اللَّه المتين ، ونوره المبين ، وهو الذّكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا تتشعب معه الآراء ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يملّه الأتقياء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، هو الذي لم تنته الجن لمّا سمعته أن قالوا :
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ
[ الجن 72 / 1 - 2 ] ، من علم علمه سبق ، ومن قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أجر ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم » . ثم أوعد اللَّه تعالى المكذبين بالقرآن الكائدين للمؤمنين بقوله :
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ، وَأَكِيدُ كَيْداً
أي إن الكفار زعماء مكة وأمثالهم يدبرون المكائد للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم لإبطال ما جاء به من الدين الحق ، وللصد عن سبيل اللَّه وعن القرآن ، بالقول بأن القرآن أساطير الأولين ، وبأن محمدا ساحر أو مجنون أو شاعر ، ويتآمرون على قتله ، كما أخبر تعالى بقوله :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
[ الأنفال 8 / 30 ] . ولكني أدبر لهم تدبيرا آخر ، فأستدرجهم من حيث لا يعلمون ، وأجازيهم جزاء كيدهم . وقد سمى جزاء الكيد بالاستدراج والإمهال المؤدي إلى زيادة الإثم الموجبة لشدة العذاب كيدا .