تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
3 -
يَقُولُونَ : لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
أي يقول هؤلاء المنافقون ، والقائل عبد اللّه بن أبي زعيم المنافقين : لئن عدنا من هذه الغزوة ، أي غزوة بني المصطلق إلى المدينة ، ليخرجن الأعز - عنى بالأعز نفسه ومن معه - منها الأذل ، أراد بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن معه ، فنحن الأعزاء الأقوياء ، وهم الأذلاء الضعفاء . وقد رجع ابن أبي إلى المدينة ، فلم يلبث إلا أياما يسيرة حتى مات ، فاستغفر له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وألبسه قميصه ، فنزلت هذه الآية . فرد اللّه عليهم قولهم ، فقال :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ
أي إن للّه وحده القوة والغلبة ، ولمن منحها من رسله وصالحي عباده المؤمنين ، لا لغيرهم ، ولكن المنافقين لا يدرون ذلك ، لفرط جهلهم ، وعدم إيمانهم ، وشدة حيرتهم وقلقهم ، فاللّه هو الذي ينصر من يشاء من عباده ، كما قال :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
[ المجادلة 58 / 21 ] . والعزة والمنعة والقوة للّه ، خلافا لما توهموا أن العزة بكثرة الأموال والأتباع . والعزة غير الكبر ، فالعزة : الشعور بالسمو مع معرفة الإنسان حقيقة نفسه ، والكبر : غمط الناس حقوقهم وجهل الإنسان بنفسه . روي أن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي بن سلول قال لأبيه : والذي لا إله إلا هو لا تدخل المدينة حتى تقول : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو الأعز وأنا الأذلّ ، فقاله « 1 » . وإنما قال في الآية الأولى :
لا يَفْقَهُونَ
وهنا
لا يَعْلَمُونَ
ليعلم بالأول قلة كياستهم وفهمهم ، وبالثاني كثرة حماقتهم وجهلهم .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : 18 / 129