تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
تقوم مقام الرؤية ، فعرفتهم بعلامتهم الخاصة بهم التي يتميزون بها ، ولكنه تعالى لم يفعل ذلك في جميع المنافقين سترا منه على خلقه ، وحملا للأمور على ظاهر السلامة . وو اللَّه لتعرفنهم يا محمد في فحوى الكلام ومقصده ومغزاه ، وهو تعريضهم بأمرك وأمر المسلمين ، ومخاطبتهم النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بألفاظ ظاهرها الحسن ، وباطنها القبح . قال الكلبي : فلم يتكلم بعد نزولها عند النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم منافق إلا عرفه . وعن أنس أنه ما خفي على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بعد هذه الآية شيء من المنافقين ، ولقد كنا في بعض الغزوات ، وفيها تسعة منهم يشكوهم الناس ، فناموا ذات ليلة ، وأصبحوا ، وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب : هذا منافق . واللَّه لا تخفى عليه خافية ، ويعلم جميع أعمالهم ، فيجازيهم عليها من خير أو شر . وهذا وعد ووعيد ، وبشارة وإنذار . ثم أعلن اللَّه تعالى منهج الحياة الدنيوية بالنسبة للتكاليف الشرعية ، فقال :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ، وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
أي ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي ونعاملنكم معاملة المختبر ، ومنها الجهاد في سبيل اللَّه ، حتى نعلم علم ظهور وانكشاف ، فاللّه يعلم الحقائق كلها قبل وجودها ، وإنما التكليف يظهر المجاهدين بحق في سبيل اللَّه ، الذين امتثلوا الأمر بالجهاد ، ويظهر الذين صبروا على دينه ومشاق ما كلّف به ، ويظهر أخبار الناس ويكشفها امتحانا لهم ، ليظهر للناس من أطاع ما أمره اللَّه به ، ومن عصى ولم يمتثل . ولهذا يقول ابن عباس رضي اللَّه عنهما في مثل هذا : إلا لنعلم ، أي لنرى . وقال علي رضي اللَّه عنه :
حَتَّى نَعْلَمَ
: حتى نرى . وقال إبراهيم بن الأشعث : كان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى ، وقال : اللهم لا تبتلينا ، فإنك إذا بلوتنا فضحتنا ، وهتكت أستارنا .