تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وقوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ
يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين ، ويجوز أن تكون من العلم ، أي من رؤية القلب . والخطاب وإن كان في الظاهر للرسول صلّى اللّه عليه وسلم فهو عام في المعنى . والشمس دليل على الظل ؛ لأن الأشياء تعرف بأضدادها ، ولولا الشمس ما عرف الظل ، ولولا النور ما عرفت الظلمة ، فالشمس دليل ، أي حجة وبرهان . ويتفاوت طول الظل وقصره أثناء النهار تفاوتا سهلا يسيرا ، شيئا فشيئا ، واللّه هو الذي يقبضه بيسر وسهولة ، وكل أمر ربنا عليه يسير . ثانيا - الليل ستر للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن ، والنوم راحة للأبدان بالانقطاع عن الأشغال ، والنهار ذو نشور ، أي انتشار للمعاش ، فهو سبب الإحياء للانتشار . والنوم ليلا يشبه الإماتة ، واليقظة نهارا تشبه البعث ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم إذا أصبح قال : « الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور » . ثالثا - الرياح مبشّرات بهطول المطر ، تقود السحب من مكان إلى آخر ، والأمطار الهاطلة حياة الأبدان والنباتات والحيوانات ، وهي ماء طهور أي ما يتطهر به ، والمراد أنه مطهر . وأجمعت الأمة على أن وصف ( طهور ) يختص بالماء ، ولا يتعدى إلى سائر المائعات ، وهي طاهرة . والمياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة ، على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها . والمخالط للماء ثلاثة أنواع : نوع يوافقه في صفتيه جميعا وهو التراب طاهر مطهر ، ونوع يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة ، فإذا خالطه فغيّره سلبه صلاحية التطهير وهو ماء الورد وسائر المائعات الطاهرات ، ونوع يخالفه في الصفتين جميعا ، وهو النجس . ويرى الجمهور أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة ، والكثير لا يفسده إلا
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 86 | وهبة الزحيلي