تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
لك أيها الرسول عظيم الثواب ، وواسع الجزاء ، فما عليك إلا الجهاد والصبر ، ولا تأبه بإعراضهم عن دعوتك . لهذا قال :
فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً
أي فلا تتبع الكفار فيما يدعونك إليه من مجاملة أو موافقة لآرائهم ومذاهبهم ، وجاهدهم بكل سلاح مادي أو عقلي وهو القرآن جهادا شاملا لا هوادة فيه ، متناسبا مع كل فرصة تنتهزها ، كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ، وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
[ التوبة 9 / 73 ] . والجهاد الكبير : هو الذي لا يخالطه فتور . 4 -
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ، هذا عَذْبٌ فُراتٌ ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ، وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً
أي واللّه الذي جعل البحرين المتضادين متجاورين متلاصقين لا يمتزجان ، هذا ماء زلال عذب شديد العذوبة ، وهذا مالح شديد الملوحة ، ولكن لا يختلط أحدهما بالآخر ، كأن بينهما حاجزا منيعا ، وكأنهما ضدان مفترقان متنافران لا يجتمعان ، ولا يصل أحدهما إلى الآخر ، فهما في مرأى العين واحد ، ولكنهما في الحقيقة والواقع منفصلان ، كما قال تعالى :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[ الرحمن 55 / 19 - 21 ] وقال :
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً ، أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
[ النمل 27 / 61 ] . أي دليل آخر يدل على قدرة اللّه الباهرة غير مثل هذا الدليل ؟ إن الماء ماء واحد ، ولكن الماء العذب لا يختلط بالماء المالح ، واللّه خلق الماءين : الحلو والملح ، وجعل الأنهار والعيون والآبار حلوة ، وهي البحر الحلو الفرات الزلال ، وجعل البحار في المشارق والمغارب والمحيطات الخمس مالحة ، وملوحتها سبب لنقاوتها وعدم فسادها ، ويتجدد هواء البحر بالمد والجزر ، فتستطيع الأسماك في قيعانه العيش بسلام .