تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
عدم الفائدة من دعوة من سيطرت عليه الأهواء إلى الدين الحق ، فانظر فيمن جعل هواه إلهه ، بأن أطاعه وبنى عليه أمر دينه ، واستولى عليه التقليد ، وصمّ أذنه عن سماع الدليل المقنع والبرهان الساطع ، فكل ما زين له الهوى شيئا انقاد له ، وحينئذ لن تستطيع منعه من الشرك والمعاصي ، ولن تكون مستطيعا دعوته إلى الهدى ولا وليا حافظا على شؤونه لتقمعه عن الضلال ، وترشده إلى الهدى والصواب ؛ فما استحسنه بهواه جعله دينه ومذهبه ، كما قال تعالى :
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ، فَرَآهُ حَسَناً ، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ
الآية [ فاطر 35 / 8 ] . قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا ، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني ، وترك الأول . وهذا دليل على ألا حجة لهم في عبادة الأصنام إلا التقليد واتباع الأهواء ، ولا يرشد إلى طريقهم فكر ولا عقل سليم . ونظير الآية قوله تعالى :
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ
[ الغاشية 88 / 22 ] ، وقوله سبحانه :
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ
[ ق 50 / 45 ] ، وقوله عزّ وجلّ :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
[ البقرة 2 / 256 ] .

الثالث :

أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ، إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
وهذا ذمّ أشد مما سبق ، لذا عبر عنه بقوله
أَمْ
أي بل للإضراب عما سبق إليه ، والمعنى بل أتظن أن أكثرهم يسمعون سماع تدبر وفهم ، أو يتعقلون ويفكرون فيما تتلو عليهم ، وترشدهم إليه من الفضائل والأخلاق الحميدة ، فتجهد نفسك في إقناعهم بدعوتك ، ونقلهم إلى العقيدة الصحيحة ، فما حالهم إلا كالأنعام السائمة ، بل هم أسوأ حالا من الأنعام السارحة ، وأخطأ طريقا منها ، فإن تلك البهائم تفعل ما هو خير لها ونفع ، وتتجنب ما هو ضارّ