تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
واختراعه ، وجعل هذا من معجزات موسى عليه السلام . ولما انفلق صار فيه اثنا عشر طريقا على عدد أسباط بني إسرائيل ، ووقف الماء بينها كالجبل العظيم ، وكأنه جمّد ، فصار البحر طريقا يبسا بتأثير رياح لفحتها وجففتها وجعلتها كوجه الأرض ، كما قال تعالى :
فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً ، لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى
[ طه 20 / 77 ] . وقرّب اللّه فرعون وقومه إلى البحر ، والغيظ يملأ نفوسهم ، ونار الحقد تغلي في قلوبهم كالمراجل ، وأنجى موسى ومن معه أجمعين ، ثم لما صار الآخرون في وسط البحر أطبقه عليهم وأغرقهم جميعا . إنها آية وأي آية ! عظة للمتعظ وعبرة للمعتبر المتأمل ، حقا ، إن الذي حدث في البحر آية عجيبة من آيات اللّه العظام الدالة على قدرته ، وعلى صدق موسى عليه السلام من حيث كان معجزة له ، وعلى اعتبار المعتبرين به أبدا . وفي هذا تحذير شديد من الإقدام على مخالفة أمر اللّه تعالى ، وأمر رسوله ، ويكون فيه اعتبار وتسلية لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم الذي كان يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات ، فلا تعجب يا محمد من تكذيب أكثر قومك لك ، واصبر على إيذائهم ، فلعلهم أن يصلحوا ، لذا قال تعالى عقيب ذلك :
وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
سواء من قوم فرعون أو من قوم موسى ، فإنه لم يؤمن من قوم فرعون إلا مؤمن آل فرعون واسمه حزقيل ، وابنته آسية امرأة فرعون ، ومريم بنت ذا موسى العجوز التي دلت على قبر يوسف الصديق عليه السلام . وأما قوم موسى فبعد أن نجوا ، عبدوا العجل ، وقالوا :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
! ! [ البقرة 2 / 55 ] .