تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وتمسكوا بهذه الأمور حنفاء للّه ، أي مخلصين له الدين ، منحرفين عن الباطل ، قصدا إلى الحق ، دون إشراك باللّه أحدا . والحنيف : المائل عن الديانات الباطلة إلى الدين الحق . ثم ضرب للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى بجملة مستأنفة مقررة لوجوب اجتناب الشرك ، فقال :
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ . . .
أي ومن أشرك مع اللّه إلها آخر ، وعبد غيره ، فقد خسر خسرانا عظيما وهلك هلاكا مبينا ، وهو في شركه شبيه بمن سقط من جو السماء ، فتخاطفته الطيور ، أي قطعته ومزقته في الهواء ، وأخذ كل منها بقطعة منه ، فتم هلاكه ؛ أي هو كمن عصفت به الريح ، فهوت به في مكان بعيد مهلك ، لا يكون له منه خلاص ولا نجاة . والغرض من هذين التشبيهين التمثيليين تقبيح حال الشرك والتنفير منه . ثم ذكر اللّه تعالى سبب تعظيم الشعائر فقال :
ذلِكَ ، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ ، فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
أي الأمر ذلك المذكور ، ومن يعظم الهدايا ( المواشي التي تذبح هدية للحرم ) لأنها من معالم الحج ، بأن يختارها جسيمة سمينة غالية الثمن ، أو من يعظم أوامر اللّه ومناسك الحج ، ومنها تعظيم الهدايا والبدن باستسمانها واستحسانها ، كما قال ابن عباس ، فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب ، فحذفت هذه المضافات ، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها ، كما ذكر في الكشاف . فقوله :
فَإِنَّها
عائد إلى حالة المعظم التي يدل عليها فعل
وَمَنْ يُعَظِّمْ
أو التعظيمة الواحدة . قال ابن العربي عن الشعائر : والصحيح أنها البدن . روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم أهدى مائة بدنة ، فيها جمل لأبي جهل ، في أنفه برة من ذهب ، أي حلقة من ذهب . و روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد اللّه بن عمر قال : أهدى عمر نجيبا ، فأعطي بها ثلاث مائة دينار ، فأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال :
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 208 | وهبة الزحيلي