تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
الثاني -
وَلا تَنْهَرْهُما
أي ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح . والفرق بين النهي عن التأفف والنهي عن الانتهار : أن الأول للمنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير ، وأن الثاني للمنع من إظهار المخالفة في القول ، بالرد أو التكذيب ، فالتأفف : الكلام الرديء الخفي ، والنهر : الزجر والغلظة . الثالث -
وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً
أي وقل لهما قولا لينا طيبا حسنا مقرونا بالتوقير والتعظيم والحياء والأدب الجم . ويلاحظ أنه تعالى قدم النهي عن المؤذي ، ثم أمر بالقول الحسن والكلام الطيب ؛ لأن التخلي مقدم على التحلي ، ومنع الأذى أولى من إحسان القول والفعل . قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مفسرا القول الكريم : هو أن يقول له : يا أبتاه يا أماه ، أي لا يدعوهما بأسمائهما ، ولا يرفع الصوت أمامهما ، ولا يحملق بنظره فيهما ، وسئل سعيد بن المسيّب عن القول الكريم فقال : هو قول العبد المذنب للسيد الفظّ . الرابع -
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
أي تواضع لهما بفعلك ، والمقصود منه المبالغة في التواضع وإلانة الجانب ، فإن خفض الجناح كناية عن فعل التواضع ، وتشبيه بحال الطائر إذا ضم إليه فرخه ، فيخفض له جناحه . والتواضع ينبغي أن يكون رحمة بهما وشفقة عليهما ، لا لأجل امتثال الأمر وخوف العار والنقد فقط . الخامس -
وَقُلْ : رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
أي اطلب لهما الرحمة من اللّه في حال كبرهما وعند وفاتهما . قال القفال رحمه اللّه تعالى : إنه لم يقتصر في تعليم البر بالوالدين على تعليم الأقوال ، بل أضاف إليه تعليم الأفعال ، وهو أن يدعو لهما بالرحمة ، فيقول :
رَبِّ ارْحَمْهُما
ولفظ الرحمة جامع لكل الخيرات في الدين والدنيا . وقوله
كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
أي أحسن إليهما كما أحسنا إلي في تربيتهما إياي ، والتربية : هي التنمية ، وخصها بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية ، فيزيده ذلك إشفاقا لهما وحنانا عليهما .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 55 | وهبة الزحيلي