تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً . .
[ الآية : 145 ] . وأما المذكور في سورة المائدة من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكي ( ذبح حيا ) فهو داخل في الميتة . ثم استثنى تعالى حالة الضرورة فقال :
فَمَنِ اضْطُرَّ . .
أي فمن دعته الضرورة وألجأته ، واحتاج من غير بغي ولا عدوان إلى تناول شيء من هذه المحرّمات ، لمجاعة غلب على ظنه الهلاك فيها ، غير باغ على مضطر آخر ، بأن ينفرد بتناوله ، فيهلك الآخر ، ولا عاد أي متجاوز ما يسد الرمق والجوع أي قدر الضرورة ، مما يدل على تحريم الشبع وهو مذهب الأكثرين ، فإن اللّه غفور ستار لذنبه أو هفوته ، لا يؤاخذه على ذلك ، رحيم به أن يعاقبه على مثل ذلك . وفي هذا تيسير وتوسعة على هذه الأمة التي يريد اللّه بها اليسر ولا يريد بها العسر . ثم نهى اللّه تعالى عن سلوك سبيل المشركين بالتحليل والتحريم بآرائهم ، وما ابتدعوه شرعا في جاهليتهم من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك ، وتحليل الميتة والدم وغيرهما ، فقال :
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ . .
أي ولا تحللوا وتحرموا بالرأي والهوى والجهالة ، دون اتباع شرع اللّه ، ولمجرد وصف ألسنتكم الكذب دون دليل . وهذه مبالغة في تأكيد حصر المحرمات في الأربع السابقة .
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
أي لتصير عاقبة أمركم إسناد التحليل والتحريم إلى اللّه كذبا ، من غير إنزال شيء فيه ، فإن من حلل أو حرم شيئا برأيه دون دليل أو وحي من اللّه ، كان من الكاذبين على اللّه تعالى . فيدخل في هذا النهي كل من حلل شيئا مما حرم اللّه ، أو حرم شيئا مما أباح اللّه بمجرد رأيه وهواه ، وكل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي . ثم توعد على ذلك فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ، مَتاعٌ قَلِيلٌ . .
.
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 256 | وهبة الزحيلي