تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
خلقه وهو يتوفاه في أجل معين ، وهو الذي يحميه من الأمراض ، أو يرده إلى أرذل العمر حال الكبر يعني أردأه وأوضعه ، وهو الخرف ونقص القوة والعقل وسوء الحفظ وقلة العلم ، فيصبح كالصبي الذي لا عقل له ، ولا يعلم ما كان يعلم قبل من الأمور لفرط الكبر . ودلت الآية أيضا على تفاوت الناس في الأعمار . وهذا دليل على وجود إله عالم فاعل مختار ، وعلى صحة البعث والقيامة ؛ لأن الانتقال من العدم إلى الوجود كالعودة إلى الوجود مرة أخرى . 2 - للّه تعالى الحكمة البالغة في قسمة الأرزاق بين العباد ، فجعل منهم الغني والفقير والمتوسط ، ليتكامل الكون ، ويتعايش الناس ، ويخدم بعضهم بعضا ، ويحجب عن الإنسان انزلاقه في المعاصي ، كما قال تعالى :
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ ، لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
[ الشورى 42 / 27 ] فالآية دليل على أن التفاوت في الأرزاق كالتفاوت في الأعمار . ورتّب اللّه على هذا التفاوت في الأرزاق نتيجة منطقية تمس الاعتقاد في مثل ضربه اللّه لعبدة الأصنام وهو : إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء ، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء ؟ فلما لم يجيزوا لأنفسهم أن يشركهم عبيدهم في أموالهم ، لم يجز لهم أن يشاركوا اللّه تعالى في عبادة غيره من الأوثان وغيرها مما عبد ، كالملائكة والأنبياء ، وهم عبيده وخلقه . والتفاوت ليس مختصا بالمال ، بل هو حاصل في الذكاء والبلادة والحسن والقبح والعقل والحمق والصحة والسقم والاسم الحسن والقبيح . 3 - من نعم اللّه على عباده جعل الزوجات من جنس الأزواج وشكلهم ، وفي هذا ردّ على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوّج الجن وتباضعها . ومن نعمه سبحانه إنجاب الذرية من بنين وبنات وحفدة ( أولاد البنين ) . ومن نعمه رزق الطيبات من الثمار والحبوب والحيوان وغير ذلك .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 183 | وهبة الزحيلي