تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
عجبا لكم أسحر هذا ؟ ! والحال أنكم تعرفون أن السحر تخييل وتمويه ، ولو كان هذا سحرا لاضمحلّ ، ولم يبطل سحر السّحرة ، ولا يفوز السّاحرون في ساحات الحقائق ، وقضايا الدّين ، وأصول الحياة ، وإقامة الممالك ؛ لأن السّحر شعوذة وخفّة يد لا تغير من الحقيقة شيئا . وقولهم : هذا سحر محذوف ، والاستفهام بقوله : أتقولون ؟ إنكار ، ثم استأنف إنكارا آخر من قبله ، فقال :
أَ سِحْرٌ هذا
؟ ! وحذف قولهم الأول اكتفاء بالثاني من قولهم ، منكرا على فرعون وملئه . فأجابوه إجابة الضعيف المفلس الحجة الذي لا يجد متمسكا له إلا التقليد للآباء والأجداد ووراثة العادات والطقوس الدّينية ، فقالوا :
قالُوا : أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا . .
أي أجئتنا يا موسى لتصرفنا عن دين آبائنا وأجدادنا ، ولتكون لكما أي لك ولهارون أخيك الكبرياء في الأرض ، أي الرّياسة الدّينية والدّنيوية أو العظمة والملك والسّلطان ، وما نحن لكما بمصدقين لكما فيما تدعيانه من دين جديد يغاير دين الأسلاف والآباء ، وهذا سبب تكذيب الرّسل دائما . وقد خاطبوا موسى أولا ؛ لأنه كان هو الدّاعي لهم للإيمان بما جاء به ، والإقرار بتوحيد الإله ، ونبذ عبادة الأصنام والأوثان . ثم أشركوا معه أخاه في الإفادة من ثمرات الدّعوة وهي النّفوذ والسّلطة والعظمة .

فقه الحياة أو الأحكام :

لم يختلف شأن فرعون وقومه عمن قبله من الأمم ، في تكذيب الأنبياء ، وعناد الدّعاة إلى الإيمان باللّه ، والتّخلص من عبادة الأصنام . وتمثل هذه القصة شدّة العناد بسبب عظمة السلطان والملك والجاه ، أمام شخصين ضعيفين موسى وهارون ، وكان موسى قد تربى في بيت فرعون . ولكن الضعف الشّخصي يزول أمام قوة الاعتزاز بالنّبوة والإيمان ، فبالرغم
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 237 | وهبة الزحيلي