تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
ولا شيء أكبر من ذلك ، كالعرش الذي هو أعظم المخلوقات ، إلا وهو معلوم له ، ومحصى معروف في كتاب عظيم الشأن وهو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه مقادير الموجودات كلها . وفي هذا دلالة إلى سبق القرآن إلى الإشارة إلى أصغر الموجودات في الكون مما لا يدرك بالعين المجردة ، وإنما بالمكبّرات ، كأجزاء الذرة والجراثيم ، ويحتاج تكبيره إلى مئات أو آلاف المرات . كما أن هناك أشياء كبيرة جدا ، أكبر من السماوات والأرض ، وما فيهما ، فإن بعض النجوم أكبر من الشمس والأرض والقمر بملايين المرات ، والعرش أعظم المخلوقات . ونظير الآية قوله تعالى :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ ، وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ الأنعام 6 / 59 ] أي أنه تعالى يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات ، وكذلك الدواب السارحة ، وكل ما هو موجود في طبقات الأرض ، وأجواء السماء .

فقه الحياة أو الأحكام :

إن كل من يتأمل في مدلول هذه الآية - ولا يتأمل فيها بحق إلا عالم مؤمن ، واسع العلم والأفق والنظر - فيجد سعة علم اللّه الشامل ، ورصده لكل شيء في الوجود ، وأعمال جميع الكائنات الحية ، والناس قاطبة في البر والبحر والجو ، يسيطر عليه الخوف والرهبة ، ويمتلئ قلبه اليقين بعظمة اللّه تعالى ، ويدرك أن جميع أعماله محصية عليه ، سواء أكانت صغيرة حقيرة أم كبيرة جليلة . ولو قيل : إن شاشة كبيرة من التلفاز ( الرائي ) تصوّر جميع حركات الإنسان على أشرطة مسجلة في منزله وغيره ، وفي تنقلاته كلها ، وإن ما يرتسم على هذه الشاشة وما يسجل فيها من أصوات ، سيعرض على حاكم الدولة ،