تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
ورسوله واليوم الآخر ، زالت الخصومات ، وحصلت المودة التامة والمحبة الشديدة . وقد أيد اللّه رسوله بمعونته ونصرته وبالمؤمنين من المهاجرين ، وهذه آية ربانية ومعجزة أخرى للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم الذي كان فردا وحده يدعو إلى الإسلام ، فأيده اللّه بتوفيقه ، وحماه بالمؤمنين التابعين من حوله ، في مكة والمدينة . وأرشدت آية :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ
إلى أن الواجب على المسلمين الإقدام على الجهاد بروح وثابة عالية ، وشجاعة فائقة ، وصبر شديد ، وعزيمة لا تلين ، حتى إنه كان المسلم مطالبا في مبدأ الأمر بالصمود أمام العشرة من الأعداء ، ثم خفف اللّه عنه ، فاكتفي بمطالبته بالثبات أمام اثنين فقط . وهذا بدليل قول ابن عباس المتقدم ، فإن الثبات أمام العدو فرض على المسلمين ، لا اختيار لهم فيه ، ويحرم عليهم الانهزام أمام ضعفي العدد ؛ لأن قوله تعالى :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ . . .
وإن ورد بصيغة الخبر ، فالمراد به الأمر ، والأمر يقتضي الوجوب ؛ لأن التخفيف إنما يكون في المأمور به ، لا في المخبر عنه . ونظرا لوجود التخفيف ، فلا محالة - كما قال الجصاص - قد وقع النسخ عن المسلمين فيما كلفوا به أولا ، ولم يكن أولئك القوم قد نقصت بصائرهم ، ولا قلّ صبرهم ، وإنما خالطهم قوم لم يكن لهم مثل بصائرهم ونياتهم ، وهم المعنيون بقوله تعالى :
وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً
« 1 » . ودل قوله :
بِإِذْنِ اللَّهِ
على أنه لا تقع الغلبة إلا بإذن اللّه ، أي إرادته . ودل قوله :
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
على تأييد اللّه الصابرين وإعانتهم .
هامش
( 1 ) أحكام القرآن للجصاص : 3 / 71