تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
فهم كفروا باللّه ورسوله وبما جاء به ، والأعمال إنما تصح بالإيمان ، كما ذكرت ، ولا يصلون إلا وهم متكاسلون ؛ لأنهم لا يرجون بصلاتهم ثوابا ، ولا يخشون بتركها عقابا ، فهي ثقيلة عليهم ، كقوله تعالى :
وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ
[ البقرة 2 / 45 ] . ولا ينفقون نفقة في سبيل الجهاد وغيره إلا وهم كارهون لها ، لا تطيب بها أنفسهم ؛ لأنهم لا ينفقون لغرض الطاعة ، بل رعاية للمصلحة الظاهرة ، وسترا للنفاق ، ويعدون الإنفاق مغرما وخسارة بينهم . وقد أخبر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أن اللّه لا يمل حتى تملوا ، وأن اللّه طيب لا يقبل إلا طيبا ، فلهذا لا يقبل اللّه من هؤلاء المنافقين نفقة ولا عملا ؛ لأنه إنما يتقبل من المتقين ، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية واضطرار ، لا عن رغبة واختيار . فلا تعجبك أيها النبي وأيها السامع أموالهم ولا أولادهم ولا سائر نعم اللّه عليهم ، فإنما هي من أسباب المحن والآفات عليهم . والإعجاب بالشيء : السرور به مع التعجب والافتخار من حسنه ، والاعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه . أما أموالهم في الدنيا فهي سبب لتعذيبهم بها حيث يتعبون في جمعها ، ويصحبها الهم والقلق ، ثم ينفقونها كارهين في الجهاد والزكاة وفي سبيل اللّه وتقوية المسلمين ، وكذلك أولادهم ربما يموتون في الحروب ، فيحزنون عليهم أشد الحزن ، وفي الآخرة يعذبون عذابا شديدا ، حيث يموتون على الكفر الذي يحبط العمل الصالح ، وهذا من قبيل الاستدراج لهم فيما هم فيه ، وتكون النتيجة أنهم خسروا الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين . والاستدراج بالنعم : الإمداد بها مع البقاء على المعصية ، مثل قوله تعالى :
إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
[ آل عمران 3 / 178 ] . فما يظنون أنه من منافع الدنيا هو في الحقيقة سبب لعذابهم وبلائهم ، وبه
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 250 | وهبة الزحيلي