تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
وجريا على عادة القرآن في فتح باب الأمل والتوبة أمام الكفار والعصاة ، قال تعالى :
ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي ثم يتوب الله بعد هذا التعذيب الذي حدث في الحرب على من يشاء من الكفار ، يعني : ومع كل ما جرى عليهم من الخذلان ، فإن الله تعالى قد يتوب على بعضهم ، بأن يزيل عن قلبه الكفر ، ويخلق فيه الإسلام ، كما قال أهل السنة ، أو بأن يسلموا ويتوبوا فيقبل الله توبتهم ، كما قال المعتزلة . والله غفور لمن تاب ، رحيم بمن آمن وعمل صالحا . وقد تاب الله على بقية هوازن ، فأسلموا ، وقدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلمين ، ولحقوه وقد قارب مكة عند الجعرانة « 1 » ، بعد الوقعة بقريب من عشرين يوما ، فعند ذلك خيرهم بين سبيهم وبين أموالهم ، فاختاروا سبيهم ، وكانوا ستة آلاف أسير ، ما بين صبي وامرأة ، فرده عليهم ، وقسم الأموال بين الغانمين ، ونفل أناسا من الطلقاء ( أهل مكة ) لكي يتألف قلوبهم على الإسلام ، فأعطاهم مائة مائة من الإبل ، وكان من جملة من أعطى مائة : مالك بن عوف النصري ، واستعمله على قومه : هوازن ، كما كان . روى البخاري عن المسور بن مخرمة : « أن ناسا منهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبايعوه على الإسلام ، وقالوا : يا رسول الله ، أنت خير الناس ، وأبر الناس ، وقد سبي أهلونا ، وأولادنا ، وأخذت أموالنا ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « إن عندي من ترون ، إن خير القول أصدقه ، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم ، وإما أموالكم » قالوا : ما كنا نعدل بالأحساب شيئا ، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : « هؤلاء جاءونا مسلمين ، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال ، فلم يعدلوا بالأحساب شيئا ، فمن كان بيده شيء ، وطابت به نفسه أن يرده فشأنه ، ومن لا فليعطنا ، وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه » قالوا : رضينا وسلمنا .
هامش
( 1 ) الجعرانة : موضع على سبعة أميال من مكة إلى الطائف .