تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
الجنة والنار ، بدليل ما ذكر في الآية المتقدمة من قوله تعالى :
وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها
. وقوله تعالى :
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ
يفيد العموم ، فهل النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار ، أو من البعض للبعض ؟ الجواب أن الجمع إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد ، وكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في الدنيا . والمعنى : إن أصحاب الجنة بعد استقرارهم فيها ينادون أهل النار بعد استقرارهم فيها أيضا ، قائلين : قد وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة الرسل من النعيم والتكريم حقا ، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من الخزي والنكال حقّا ؟ والسؤال يتضمن تقرير أهل الجنة بصدق ما بلّغهم الرسل من وعد ربهم ، وتقريع وتوبيخ أهل النار على ما حدث منهم من جناية على أنفسهم بتكذيب الرسل .
قالُوا : نَعَمْ
قال سيبويه : « نعم : عدة أو تصديق » والمعنى أنهم أجابوا بالإيجاب ، فإنا وجدنا ما وعدنا به ربنا على الكفر ، وها نحن نتلظى في عذاب النار . وهذا يدل على أن الكفار يعترفون يوم القيامة ، بأن وعد اللّه ووعيده حق وصدق . وهذا التقريع من اللّه يعقبه تقريع من الملائكة يقولون لهم :
هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ . أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ . اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا ، سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ الطور 52 / 14 - 16 ] . وقد قرّع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الدنيا قتلى القليب ( البئر ) من الكفار يوم بدر فنادى : « يا أبا جهل بن هشام ، ويا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة - وسمى رؤوسهم - هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ، فإني وجدت ما وعدني ربي حقا » وقال عمر : يا رسول اللّه ، تخاطب قوما قد جيفوا ، فقال : « والذي نفسي
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 214 | وهبة الزحيلي