تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
كالشرك والطواف بالبيت عراة رجالا ونساء ، والأولى الحكم بتعميم معنى الفاحشة : وهي كل معصية كبيرة ، فيدخل فيه جميع الكبائر ، قالوا : نحن في هذا مقلدون للآباء ، متبعون للأسلاف ، ويعتقدون أنها طاعات ، وأن اللّه أمرهم بها ، وهي في أنفسها فواحش ، فكانوا يحتجون على إقدامهم على تلك الفواحش وهم لا يدركون فحشها بأمرين : أحدهما : أنا
وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا
والثاني : أن
اللَّهُ أَمَرَنا بِها
. أما الحجة الأولى - فلم يجب اللّه عنها ؛ لأنها إشارة إلى محض التقليد ، وهو عقلا طريقة فاسدة ، وفسادها ظاهر جلي لكل أحد ، فلم يحتج إلى الجواب عنه . وأما الحجة الثانية وهي قولهم :
وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
فقد أجاب عنه تعالى بقوله :
قُلْ : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
أي إن هذه الأفعال منكرة قبيحة على لسان الأنبياء والمرسلين ، واللّه بكماله منزه عن أن يأمر بها ، فكيف يمكن القول بأن اللّه تعالى أمر بها ؟ ! والواقع إنما يأمر بها الشيطان ، كما قال تعالى :
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ
[ البقرة 2 / 268 ] . ثم أنكر اللّه تعالى عليهم قولهم باستفهام إنكاري فقال :
أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ . . .
أي أتسندون إلى اللّه من الأقوال ما لا تعلمون صحته ؟ ! فتشريع اللّه لا يثبت إلا بوحي منه إلى رسوله ، وأنتم تعملون بوحي الشيطان ، وتفترون على اللّه الكذب ، فهذا إنكار لإضافتهم القبيح إلى اللّه ، وشهادة على أن مبني قولهم الجهل المفرط . وبعد أن أنكر تعالى صدور الأمر عنه بالفحشاء ، أعلن أنه إنما يأمر بالقسط والعدل :
قُلْ : أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
أي قل يا محمد لهم : إنما يأمر ربي بالعدل والاستقامة والتوسط في الأمور دون إفراط ولا تفريط .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 175 | وهبة الزحيلي