تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
ومن مظاهر عنادهم : مطالبتهم بإنزال آية من ربهم خارقة للعادة ، كالناقة والعصا والمائدة ، وتفجير الينابيع ، وإنشاء البساتين المخضرة المحفوفة بأشجار النخيل والعنب ، وإسقاط السماء قطعا عليهم ، والإتيان بوفد أو جماعة من الملائكة ، وإيجاد بيت من زخرف ، وإنزال كتاب من السماء . فرد اللّه عليهم بقوله :
قُلْ : إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ . . .
أي قل لهم أيها النبي : إن اللّه تعالى قادر على تنزيل آية مما اقترحوا ، ولكن حكمته تقتضي تأخير ذلك ، لأنه لو أنزلها على وفق ما طلبوا ، ثم لم يؤمنوا ، لعاجلهم بالعقوبة ، كما فعل بالأمم السابقة ، كما قال تعالى :
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ، وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ، فَظَلَمُوا بِها ، وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
[ الإسراء 17 / 59 ] وقال :
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً ، فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ
[ الشعراء 26 / 4 ] . ومعنى قوله :
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
: أن اللّه قادر على أن ينزل تلك الآية ، ولكن حكمته اقتضت صرفه عن إنزالها ، وأكثر هؤلاء القوم لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل التعنت والتعصب ، فإن اللّه تعالى لا يعطيهم مطلوبهم ، ولو كانوا عالمين عاقلين لطلبوا ذلك على سبيل طلب الفائدة ، وحينئذ يعطيهم اللّه المطلوب على أكمل الوجوه ، فإنزال آية مما اقترحوا يكون سببا في هلاكهم إن لم يؤمنوا . يعني أن طلبهم آية مادية مع وجود هذه الآيات البينات القرآنية إنما هو محاولة تعجيز الرسول ، فلو فرض حدوثها لما آمنوا ولقالوا : إنها سحر ، كما قال تعالى :
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ ، فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
[ الأنعام 6 / 7 ] وقالوا :
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ، وَيَقُولُوا : سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
[ القمر 54 / 2 ] .
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 191 | وهبة الزحيلي