تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
وطبائعها ، واللّه تعالى يدبرها ويرعى شأنها ويحسن إليها . وخص دواب الأرض بالذكر ؛ لأنها المرئية للكفار ، أما ملكوت السماوات ففيه ما لا يعلمه إلا اللّه وحده ، وفيه من الكائنات الحية ما لا يدرك حقيقته إلا اللّه ، كما قال تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ ، وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
[ الشورى 42 / 29 ] . ولم يترك اللّه شيئا أبدا إلا ذكره في الكتاب : وهو اللوح المحفوظ : ( وهو شيء مخلوق في عالم الغيب دوّن فيه كل ما كان وما سيكون من مقادير الخلق إلى يوم القيامة ) أي أن علم جميع المخلوقات عند اللّه ، ولا ينسى واحدا منها من رزقه وتدبيره ، سواء كان في البر أو في البحر أو في الجو ، كقوله :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ هود 11 / 6 ] . والأظهر عند الرازي وجماعة : أن المراد بالكتاب : القرآن ؛ لأن اللام للعهد السابق ، والمعهود السابق : هو القرآن . ثم يبعث اللّه جميع تلك الأمم من الناس والحيوان ويجمعها إليه يوم القيامة ، ويجازي كلا منها ، كما قال :
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
[ التكوير 81 / 5 ] . روى الإمام أحمد عن أبي ذر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى شاتين تنتطحان فقال : « يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطحان ؟ » قال : لا ، قال : « لكن اللّه يدري وسيقضي بينهما » . وذكر عبد اللّه بن أحمد في مسند أبيه عن عثمان رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة » . وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة في قوله :
إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ، ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
قال : يحشر الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائم والطير وكل شيء ، فيبلغ من عدل اللّه يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ، ثم يقول : كوني ترابا ، فلذلك يقول الكافر :
يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[ النبأ 78 / 40 ] .