تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
بني إسرائيل ، وإنزال كتاب مكتوب في قرطاس أي صحيفة ، وإنزال ملك من الملائكة لا تحقق الغرض ، وسيظلّ الكافرون المشركون على موقفهم من الكفر والإعراض . وهذا ما ردّ اللّه به على الاقتراح الأوّل للمشركين بإنزال كتاب ، فلو أنزله وعاينوه ومسّوه باليد كما اقترحوا ، لإزالة الرّيب والإشكال عنهم ، لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم . وهذه الآية جواب لقولهم :
حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ
[ الإسراء 17 / 93 ] فأعلم اللّه بما سبق في علمه من أنه لو نزل لكذّبوا به . ثمّ ردّ اللّه على اقتراحهم الثاني بإنزال ملك :
وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ
قال ابن عباس : لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته . وقال الحسن البصري وقتادة : لأهلكوا بعذاب الاستئصال ؛ لأن اللّه أجرى سنّته بأن من طلب آية فأظهرت له فلم يؤمن ، أهلكه اللّه في الحال . وتكملة الرّدّ :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلّا بعد التّجسيم بالأجسام الكثيفة ؛ لأن كلّ جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه ؛ فلو جعل اللّه تعالى الرّسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته ، ولما أنسوا به ، ولخافوا منه ومن مكالمته ، فلا تتحقق المصلحة ؛ ولو تمثّل بصورة بشر لقالوا : لست ملكا ، وإنما أنت بشر ، فلا نؤمن بك وعادوا إلى مثل حالهم ، وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر ، فأتوا إبراهيم ولوطا في صورة الآدميين ، وأتى جبريل النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة دحية الكلبي . أي إن هدفهم لا يتحقق فلو نزل بصورته الحقيقية لما أطاقوا رؤيته ، ولو نزل بصورة رجل ، التبس الأمر عليهم وقالوا : هذا ساحر مثلك .