تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
للّه تعالى ، سواء استحضر ذلك بقلبه أم لا ، أما إن قال : أحمد اللّه مع غفلة القلب عن استحضار المعنى كان كاذبا . والمراد بالسموات : العوالم العلوية التي نراها فوقنا ، والمراد بالأرض : الكوكب الذي نعيش فيه . والأرض هنا : اسم للجنس ، فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها ، وكذلك النور ، ومثله :
ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
[ غافر 40 / 67 ] . وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في الليل والنهار ، وجمع الظلمات وأفرد لفظ النور ، لكثرة أسبابها كالعتمة والشرك والكفر ، أما النور فهو واحد متعدد المصدر ، ولكون النور أشرف ، كقوله تعالى :
عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ
. وجعل هنا : بمعنى خلق ، لا يجوز غيره . والمراد بالظلمة كما قال السدي وجمهور المفسرين : ظلمة الليل ، وبالنور : نور النهار ، وفي ذلك ردّ على المجوس ( الثّنوية ) القائلين بإلهين اثنين : هما النور وهو الخالق للخير ، والظلمة وهو الخالق للشر . وقال الحسن البصري : المراد منهما الكفر والإيمان « 1 » . وقال قتادة عن سبب التقديم : إنه تعالى خلق السماوات قبل الأرض ، والظلمة قبل النور ، والجنة قبل النار . أما الظلمات الحسية فجنسها وجد قبل النور ، فقد وجدت مادة الكون أولا ، وكانت دخانا مظلما أو سديما ( نظرية السديم ) كما يقول الفلكيون ، ثم تكونت الشموس . وكذلك الظلمات المعنوية كالجهل والكفر والشرك أسبق وجودا من النور ، فإن نور العلم والإيمان والتوحيد يحدث بعدئذ ، كما قال تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ النحل 16 / 78 ] . ثم الذين كفروا وجحدوا نعمة اللّه الصانع بعد هذا كله يعدلون باللّه غيره ، أي يجعلون له عديلا مساويا له في العبادة وهو الشريك ، مع أنه غير خالق
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : 6 / 386
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 132 | وهبة الزحيلي