تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
واستدل الحنفية بعموم آيات القصاص بدون تفرقة بين نفس ونفس ، مثل قوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
[ البقرة 2 / 178 ] وقوله :
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
[ المائدة 5 / 45 ] . أما آية
الْحُرُّ بِالْحُرِّ ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى
بعد قوله :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
: فالمراد بها عند الحنفية الرد على ما كان يفعله بعض القبائل ، من أنهم يأبون أن يقتلوا في عبدهم إلا حرا ، وفي امرأتهم إلا رجلا ، فأبطل ما كان من الظلم ، وأكد فرض القصاص على القاتل دون غيره ، فليس في الآية دلالة على أنه لا يقتل الحر بالعبد ، أو أنه لا يقتل الرجل بالمرأة ، لأن اللّه أوجب قتل القاتل بصدر الآية :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى
وهذا يعم كل قاتل ، سواء أكان حرا قتل عبدا أم غيره ، وسواء أكان مسلما قتل ذميا أم غيره . ثم جاءت آية :
الْحُرُّ بِالْحُرِّ . .
لبيان ما تقدم ذكره على وجه التأكيد . وقال الجمهور : إن اللّه قد أوجب أولا المساواة في القصاص ، ثم بين المساواة المعتبرة ، فأوضح أن الحر يساويه الحر ، والعبد يساويه العبد ، والأنثى تساويها الأنثى ، لكن جاء الإجماع مستندا إلى السنة النبوية على أن الرجل يقتل بالمرأة . فمناط الاستدلال عندهم كلمة
الْقِصاصُ
الموجبة للمساواة والمماثلة في القتل . ومناط الاستدلال عند الحنفية كلمة
الْقَتْلى
الموجبة حصر القصاص في القاتل لا في غيره . وإذا كان الحر لا يقتل بالعبد - في رأي الجمهور - فالمسلم لا يقتل بالذمي ، لأن نقص العبد برقه الذي هو من آثار الكفر ، فلا يقتل المسلم بالكافر . ويظهر أن رأي الحنفية يحقق الانسجام بين صدر الآية وعجزها ، فيكون العبد مساويا للحر ، ويكون المسلم مساويا للذمي في الحرمة ، لأنه محقون الدم
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 110 | وهبة الزحيلي