تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
ويزجر القاتل وأمثاله ، ويقمع العدوان ، ويخفف من ارتكاب جريمة القتل ، إذ من علم أنه إذا قتل غيره قتل به ، امتنع عن القتل ، فحافظ على الحياتين : حياة القاتل والمقتول ، كما أن القصاص يمنع انتشار الفوضى والتجاوز والظلم في القتل ، ويحصر الجريمة في أضيق نطاق ممكن ، ويشفي غليل ولي القتيل ، ويطفئ نار غيظه ، ويستأصل من نفسه نار الشر والحقد والتفكير بالثأر . قال ابن كثير : معنى قوله : وفي شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل حكمة عظيمة : وهي بقاء المهج وصونها ، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل ، انكف عن صنيعه ، فكان في ذلك حياة للنفوس . والذي يقدر حق الحياة المقدسة ، ويفقه سر التشريع بالقصاص وما يحققه من مصلحة عامة وخاصة ، هم العقلاء ، فعليهم إدراك الحكمة وفهم دقائق الأحكام الشرعية . فإذا فهم العقلاء أن القصاص سبب للحفاظ على الحياة « 1 » ، وحذروا الناس من جريمة القتل ، اتقوا القتل وسلموا من القصاص ، فالمراد هنا من « تتقون » اتقاء القتل ، فتسلمون من القصاص ، إذ العاقل يحرص على الحياة ، ويحترس من تطبيق القصاص . وقد اتفق علماء البلاغة إلا من شذ للوثة في عقله وهوى في نفسه ، على أن عبارة :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
أبلغ وأحكم وأفصح وأوجز ، وأوفى بالمقصود من كلام فصحاء العرب : « القتل أنفى للقتل » ، لأن كل قصاص فيه صون الحياة ، أما القتل فقد يكون ظلما ، فيصبح أدعى للقتل ، وسببا في زيادته ، ولا ينفي القتل إلا إذا كان عدلا ، وأما القصاص عقوبة فهو عدل دائما ، لأنه لا يصدر عن القاضي الحكم به إلا بعد توافر الإثباتات اللازمة على جريمة القاتل ،
هامش
( 1 ) قال أبو حيان في ( البحر المحيط 2 / 15 ) المعنى : ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة أو نوع من الحياة ، وهو الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل ، لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل .