تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
وقد أنكر أبو مسلم الأصبهاني نسخ الآية ، لوجوه قرّرها الإمام الرازي كما يلي : قال : اختلفوا في هذه الآية أنّها منسوخة أم لا ، واختار أبو مسلم الأصبهاني عدم النسخ لوجوه : أحدها : أن لا تنافي بين هذه الآية وآية المواريث ، إذ يمكن أن يقال - في الجمع بين الآيتين - : كتب عليكم ما أوصى اللّه به من توريث الوالدين والأقربين حسب آية المواريث . أو كتب عليكم بتوفير ما أوصى اللّه بشأن الوالدين والأقربين ، وأن لا ينقص من سهامهم شيء . وثانيها : أنّه لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصيّة بالميراث عطيّة من اللّه . والوصيّة عطيّة ممّن حضره الموت . فالوارث يجمع - بحكم الآيتين - بين الوصيّة الّتي هي عطيّة ، وبين الميراث الّذي هو فرض من اللّه . وثالثها : لو فرضنا التنافي بين الآيتين لأمكن الجمع بجعل آية الميراث مخصّصة لآية الوصيّة . حيث هذه الآية توجب الوصيّة للأقربين ، وآية الميراث تخرج القريب الوارث ، ويبقى القريب غير الوارث داخلا تحت الآية ، وذلك لأنّ من الوالدين من يرث ومن لا يرث ، بسبب اختلاف الدين أو الرقّيّة أو القتل . ومن الأقربين من لا يحجب عن الإرث ومن كان يحجب عن الميراث ، فكلّ من كان من هؤلاء وارثا لم تجز الوصيّة له ، ومن لم يكن وارثا جازت بشأنه ولأنّه صلة رحم وقد أكّد اللّه عليه بقوله :
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
« 1 » . وبقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى
« 2 » . قال الرازي : فهذا تقرير مذهب أبي مسلم في هذا الباب « 3 » . واعترض عليه الحافظ ابن كثير في التفسير قائلا : والعجب من أبي عبد اللّه محمّد بن عمر الرازي ، كيف حكى في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصبهاني أنّ هذه الآية غير منسوخة ، وإنّما هي مفسّرة بآية المواريث ؛ ومعناه : كتب عليكم ما أوصى اللّه به من توريث الوالدين والأقربين ، من قوله :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ .
قال - أي الفخر الرازي - : وهو قول أكثر المفسّرين والمعتبرين من الفقهاء « 4 » . قلت : ولا عجب بعد عدم توفّر شرائط النسخ هنا ، حسبما تقرّر الكلام فيه .
هامش
( 1 ) النساء 4 : 1 . ( 2 ) النحل 16 : 90 . ( 3 ) التفسير الكبير 5 : 61 - 62 . ( 4 ) ابن كثير 1 : 217 - 218 .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 440 | الشيخ محمد هادي معرفة