تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
الملك ملكان : ملك مشوب بأنواع الآلام وملحوق بسرعة الانصرام ، ولكنّه عاجل وهو في الدنيا . وملك مخلّد دائم لا يشوبه كدر ولا ألم ولا يقطعه قاطع ولكنّه آجل . . . وقد خلق الإنسان عجولا راغبا في العاجلة ، فجاء الشيطان وتوسّل إليه بواسطة العجلة - الّتي في طبعه - فاستغواه بالعاجلة وزيّن له الحاضرة ، وتوسّل إليه بواسطة الحمق فوعده بالغرور في الآخرة ومنّاه مع ملك الدنيا ملك الآخرة . [ 2 / 3886 ] كما قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « والأحمق من اتّبع نفسه هواها وتمنّى على اللّه الأماني » « 1 » فانخدع المخذول بغروره واشتغل بطلب عزّ الدنيا وملكها على قدر إمكانه . ولم يتدلّ الموفّق بحبل غروره إذ علم مداخل مكره فأعرض عن العاجلة ، فعبر عن المخذولين بقوله تعالى :
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ . وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ
« 2 » وقال تعالى :
إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا
« 3 » وقال تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا . ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
« 4 » . ولمّا استطار مكر الشيطان في كافّة الخلق أرسل اللّه الملائكة إلى الرسل وأوحوا إليهم ما تمّ على الخلق من إهلاك العدوّ وإغوائه ، فاشتغلوا بدعوة الخلق إلى الملك الحقيقي عن الملك المجازي الّذي لا أصل له أصلا فنادوا فيهم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
« 5 » . فالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان وصحف موسى وإبراهيم وكلّ كتاب منزل ما أنزل إلّا لدعوة الخلق إلى الملك الدائم المخلد ، والمراد منهم أن يكونا ملوكا في الدنيا ، ملوكا في الآخرة . أمّا ملك الدنيا : فالزهد فيها والقناعة باليسير منها . وأمّا ملك الآخرة : فبالقرب من اللّه تعالى يدرك بقاء لا فناء فيه وعزّا لا ذلّ فيه وقرّة عين أخفيت في هذا العالم لا تعلمها نفس من النفوس . والشيطان يدعوهم إلى ملك الدنيا ، لعلمه بأنّ ملك الآخرة يفوت به ، إذ الدنيا والآخرة ضرّتان ، ولعلمه بأنّ الدنيا لا تسلم له أيضا ، ولو كانت تسلم له لكان يحسده أيضا ، ولكن ملك الدنيا لا يخلو عن المنازعات والمكدرات وطول الهموم في التدبيرات ، وكذا سائر أسباب الجاه . ثمّ مهما تسلّم
هامش
( 1 ) فيض القدير 2 : 445 / 2025 . ( 2 ) القيامة 75 : 20 - 21 . ( 3 ) الإنسان 76 : 27 . ( 4 ) النجم 53 : 29 - 30 . ( 5 ) التوبة 9 : 38 .