وأمّا النوع الثاني : فهو ضروريّ أشدّ ضرورة من الأوّل ، وهو اشتغاله بالمطعم والملبس وأسباب المعاش ، فإنّ تهيئة ذلك أيضا تحوج إلى شغل إن تولّاه بنفسه ، وإن تولّاه غيره فلا يخلو عن شغل قلب بمن يتولّاه . ولكن بعد قطع العلائق كلّها يسلم له أكثر الأوقات إن لم تهجم به ملمّة أو واقعة ، وفي تلك الأوقات يصفو القلب ويتيسّر له الفكر ، وينكشف فيه من أسرار اللّه تعالى في ملكوت السماوات والأرض ما لا يقدر على عشر عشيرة في زمان طويل لو كان مشغول القلب بالعلائق . والانتهاء إلى هذا هو أقصى المقامات الّتي يمكن أن تنال بالاكتساب والجهد . فأمّا مقادير ما ينكشف مبالغ ما يرد من لطف اللّه تعالى في الأحوال والأعمال فذلك يجري مجرى الصيد وهو بحسب الرزق . فقد يقلّ الجهد ويجلّ الصيد ، وقد يطول الجهد ويقلّ الحظّ ، والمعوّل وراء هذا الاجتهاد على جذبة من جذبات الرحمان فإنّها توازي أعمال الثقلين وليس ذلك باختيار العبد . نعم اختيار العبد في أن يتعرّض لتلك الجذبة بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا ، فإنّ المجذوب إلى أسفل سافلين لا ينجذب إلى أعلى عليّين . وكلّ مهموم بالدنيا فهو منجذب إليها .
فقطع العلائق الجاذبة هو المراد بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
[ 2 / 3885 ] « إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها » « 1 » وذلك لأنّ تلك النفحات والجذبات لها أسباب سماويّة إذ قال اللّه تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
« 2 » . وهذا من أعلى أنواع الرزق . والأمور السماويّة غائبة عنّا فلا ندري متى ييسّر اللّه تعالى أسباب الرزق . فما علينا إلّا تفريغ المحلّ والانتظار لنزول الرحمة وبلوغ الكتاب أجله . كالّذي يصلح الأرض وينقّيها من الحشيش ويبثّ البذر فيها ، وكلّ ذلك لا ينفعه إلّا بمطر ولا يدري متى يقدّر اللّه أسباب المطر ، إلّا أنّه يثق بفضل اللّه تعالى ورحمته أنّه لا يخلى سنة عن مطر ، فكذلك قلّما تخلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات ونفحة من النفحات ، فينبغي أن يكون العبد قد طهّر القلب عن حشيش الشهوات وبذر فيه بذر الإرادة والإخلاص وعرّضه لمهابّ رياح الرحمة . وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع وعند ظهور الغيم ، فيقوى انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة وعند اجتماع الهمم وتساعد القلوب ، كما في يوم عرفة ويوم الجمعة وأيّام رمضان ، فإنّ الهمم والأنفاس أسباب .
هامش
( 1 ) قال الهيثمي في « مجمع الزوائد » ( 10 / 231 ) رواه الطبراني في الأوسط 3 : 180 والكبير 19 : 234 بنحوه .
( 2 ) الذاريات 51 : 22 .