تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
بها ، فيستجرئ عليها وتقوى منّته « 1 » في مصارعتها ، فإنّ الاعتياد والممارسة للأعمال الشاقّة تؤكّد القوى الّتي تصدر منها تلك الأعمال ، ولذلك تزيد قوّة الحمّالين والفلّاحين والمقاتلين . وبالجملة فقوّة الممارسين للأعمال الشاقّة تزيد على قوّة الخيّاطين والعطّارين والفقهاء والصالحين ، وذلك لأنّ قواهم لم تتأكّد بالممارسة . فالعلاج الأوّل : يضاهي إطماع المصارع بالخلعة عند الغلبة ووعده بأنواع الكرامة ، كما وعد فرعون سحرته عند إغرائه إيّاهم بموسى حيث قال :
وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
« 2 » . والثاني : يضاهي تعويد الصبيّ الّذي يراد منه المصارعة والمقاتلة بمباشرة أسباب ذلك منذ الصبا ، حتّى يأنس به ويستجرئ عليه وتقوى فيه منّته . فمن ترك بالكلّيّة المجاهدة بالصبر ضعف فيه باعث الدين ولا يقوى على الشهوة وإن ضعفت ، ومن عوّد نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد . فهذا منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر ولا يمكن استيفاؤه ، وإنّما أشدّها كفّ الباطن عن حديث النفس ، وإنّما يشتدّ ذلك على من تفرّغ له ، بأن قمع الشهوات الظاهرة وآثر العزلة وجلس للمراقبة والذكر والفكر ، فإنّ الوسواس لا يزال يجاذبه من جانب إلى جانب . وهذا لا علاج له البتّة إلّا قطع العلائق كلّها ظاهرا وباطنا بالفرار عن الأهل والولد والمال والجاه والرفقاء والأصدقاء ، ثمّ الاعتزال إلى زاوية بعد إحراز قدر يسير من القوت وبعد القناعة به . ثمّ كلّ ذلك لا يكفي ما لم تصر الهموم همّا واحدا وهو اللّه تعالى . ثمّ ، إذا غلب ذلك على القلب فلا يكفي ذلك ما لم يكن له مجال في الفكر وسير بالباطن في ملكوت السماوات والأرض وعجائب صنع اللّه تعالى وسائر أبواب معرفة اللّه تعالى ، حتّى إذا استولى ذلك على قلبه دفع اشتغاله بذلك مجاذبة الشيطان ووسواسه ، وإن لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه إلّا الأوراد المتواصلة المترتّبة في كلّ لحظة ، من القراءة والأذكار والصلوات ، ويحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضور ، فإنّ الفكر بالباطن هو الّذي يستغرق القلب دون الأوراد الظاهرة . ثمّ إذا فعل ذلك كلّه لم يسلم له من الأوقات إلّا بعضها ؛ إذ لا يخلو في جميع أوقاته عن حوادث تتجدّد فتشغله عن الفكر والذكر من مرض وخوف وإيذاء من إنسان وطغيان من مخالط ، إذ لا يستغني عن مخالطة من يعينه في بعض أسباب المعيشة . فهذا أحد الأنواع الشاغلة .
هامش
( 1 ) المنّة : القوّة . ( 2 ) الشعراء 26 : 42 .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 231 | الشيخ محمد هادي معرفة