الأرض إذ قال تعالى :
أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
« 1 » .
الثاني : أن يكفّ نفسه في أعماله أفعالا تخالف ما اعتاده ، فيبدّل التكلّف بالتبذّل ، وزيّ الحشمة بزيّ التواضع ، وكذلك كلّ هيئة وحال وفعل ، في مسكن وملبس ومطعم وقيام وقعود كان يعتاده وفاء بمقتضى جاهه ، فينبغي أن يبدّلها بنقائضها حتّى يرسخ باعتياد ذلك ضدّ ما رسخ فيه من قبل باعتياد ضدّه ، فلا معنى للمعالجة إلّا المضادّة .
الثالث : أن يراعي في ذلك التلطّف والتدريج ، فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبذّل ، فإنّ الطبع نفور ، ولا يمكن نقله عن أخلاقه إلّا بالتدريج ، فيترك البعض ويسلّي نفسه بالبعض ، ثمّ إذا قنعت نفسه بذلك البعض ابتدأ بترك البعض من ذلك البعض ، إلى أن يقنع بالبقيّة .
وهكذا يفعل شيئا فشيئا إلى أن يقمع تلك الصفات الّتي رسخت فيه .
[ 2 / 3887 ] وإلى هذا التدريج الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة اللّه ، فإنّ المنبتّ « 2 » لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » « 3 » .
[ 2 / 3888 ] وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا تشادّوا هذا الدين فإنّ من يشادّه يغلبه » « 4 » .
ومن راعى التدريج ترقى به الصبر إلى حال يشقّ عليه الصبر دونه ، كما كان يشقّ عليه الصبر معه ، فتنعكس أموره ، فيصير ما كان محبوبا عنده ممقوتا وما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا يصبر عنه . وهذا لا يعرف إلّا بالتجربة والذوق . وله نظير في العادات ، فإنّ الصبيّ يحمل على التعلّم في الابتداء قهرا . فيشقّ عليه الصبر عن اللعب والصبر مع العلم ، حتّى إذا انفتحت بصيرته وأنس بالعلم انقلب الأمر ، فصار يشقّ عليه الصبر عن العلم والصبر على اللعب . وإلى هذا يشير ما حكي عن بعض العارفين أنّه سأل الشبليّ عن الصبر أيّه أشدّ ؟ فقال : الصبر في اللّه تعالى ؟ فقال : لا ، فقال :
الصبر للّه ؟ فقال : لا ، فقال : الصبر مع اللّه ؟ فقال : لا ، فقال : فأيش ؟ قال : الصبر عن اللّه ، فصرخ الشبليّ صرخة كادت روحه تتلف .
هامش
( 1 ) النساء 4 : 97 .
( 2 ) المنبتّ : من انقطع في سفره وعطبت راحلته . أي بقي عاجزا عن بلوغ مقصده ولم يقض حاجته .
( 3 ) البيهقي 3 : 18 ؛ مجمع الزوائد 1 : 62 .
( 4 ) انظر : البيهقي 3 : 18 والحاكم 1 : 312 . والمشادّة : المغالبة .